#adsense

الإنحياز الأعمى والمساواة القاتلة

حجم الخط

تخيَّلوا قاضياً يقفُ أمامَ قوسِ محكمتِهِ مُتخاصمان، وبدلَ أن يُراجعَ الوقائعَ ويستندَ الى الأفعالِ والأقوالِ وأَحكامِ القوانين، يَتخذُ قراراً بمعاقبةِ الفريقين اعتباراً منه أنُّه بهذه الطريقة يحققُ العدالة. وتخيَّلوا قاضياً آخرَ يَحكمُ على أحدِ المُتخاصمَين بغضِّ النظرِ عن الوقائعِ ومن غيرِ العودةِ الى القوانين بسببِ انحيازِهِ الى الطرَفِ المُبَرَّأ. طبعاً ستقولونَ إن هذين الأمرين غيرُ مَقبُولَين ولا حتى على مستوى المُخَيِّلة، ذلكَ أنَّ وظيفةَ القاضي أنْ يَحكُمَ بالعدلِ وأنَّ مبدأَهُ عدمُ المساواةِ بينَ المُرتَكِبِ والبريءِ وعدمُ الانحيازِ الا الى الحق.

لنُطبِّقَ ذلكَ على الشأنِ العام، فيُصبحُ الشعبُ هو القاضي الذي يَحكُمُ على الأَحزابِ والقوى والشخصياتِ السياسيَّة، يُقاضيهم على أفعالِهم وأقوالِهم في الانتخابات، وقبلَها في تقييمِهِ أداءَهم عبرَ الرأي والمَوقف. فنرى بعضَ الناسِ يدينُ طرفاً ويُبرِّىءُ آخرَ من دونِ أن يتكبَّدَ عناءَ البحثِ عن الوقائعِ والحقيقة، فيكونُ كالقاضي المُنحاز. ونرى بعضاً آخرَ يتصرَّفُ كالقاضي غيرِ العادلِ فيُحاكِمُ القوى السياسيَّةَ على اختلافِ مشاربِها ويساوي بين المُعتدي والمُعتدى عليه، بين الخاضعِ للقوانين والمُتعالي عليها، بين الساعي الى بناءِ الدولةِ وبين الرافضِ لقيامِها، بين المُؤمِنِ بثقافةِ الموتِ والمُؤمنِ بثقافةِ الحياة، وحتى بين القاتلِ والمَقتول.

إن المواطنيةَ لا تَنحَصرُ بالتقيُّدِ بالقوانين ودفعِ الضرائب – فيما لو سلَّمنا جدلاً بأنَّ اللبنانيينَ الذين يَتصرَّفونَ كالقاضيَين غيرِ العادلَين يدفعونَ جميعهم الضرائبَ ويَخضعونَ للقوانين – وإنما تتعداها الى مسؤوليةِ المشاركةِ في الحكمِ عبر المراقبةِ والمحاسبة. فالمُواطنُ المنحازُ الى حقدِهِ أو مصلحتِهِ يُشكِّلُ تهديداً لمستقبلِ وطنِهِ، والمُواطن صاحبُ الموقفِ السلبيِّ المُتمثّـل بالمساواةِ بينَ القوى السياسيَّةِ ورفضِها كُلِّها يُضَلِّـلُ الناسَ ويَنقلُ اليهم عَدوى السلبيَّةِ القاتِلَة.

فالانحيازُ الأَعمى والمساواةُ بينَ الحقِّ والبَاطِلِ قاتِلَين في الحياةِ السياسيَّة، وعليهِ لا بُدَّ لكلِّ مُواطنٍ منَ التصرُّفِ كالقاضي العادلِ الذي يَبحثُ عنِ الحقِّ قبلَ أنْ يَلفُظَ حُكمَه.

المصدر:
إذاعة صوت لبنان 93.3

خبر عاجل