#adsense

حتى في عزّ الحرب لم يكن التحاور ممتنعاً كما اليوم

حجم الخط

 

هل ما زال ممكناً في هذا البلد التحاور؟
لا ليسَ عن “طاولة الحوار” يجري الكلام، ولا عن “حواريات برامج التوكشو” ولا عن كل القيل والقال على هامش امتناع التشكيل الحكومي.

فـ”طاولة الحوار” كانت مشروع مؤسسة رديفة للنظام الدستوريّ في مرحلة تآكل مصادر شرعيته وتعطّل مؤسساته وآلياته، واستعصاء معضلة سلاح “حزب الله”، والمشروع الفئوي التغلّبي الذي يقوده هذا السلاح، عن كل معالجة “نظامية”، مؤسسية وسلمية. هذه “الطاولة” شكّلت قناة لرئاسة مجلس النواب في مرحلة انطلاقتها، ثم قناة لرئاسة الجمهورية بعد انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، وبما يمكنه أن ينسجم مع المرجعية التحكيمية لرئيس البلاد الذي يتيحها الدستور الحالي اذا ما جرى تشذيب بعض التباساته في هذا الشأن.

لكنها بالنتيجة، طاولة لم يكن مقدوراً لها إلا أن تضبط ايقاع التهاب الشارع قبل حرب تموز، ثم صارت قيمتها الوحيدة تظهير مركزية الخلاف حول مسألة “السلاح” بين اللبنانيين في اثر هذه الحرب التي ترجمت نفسها شقاقاً أهلياً داخلياً غير مسبوق، من فوق الشقاق الأهلي الذي كانت تزرعه الاغتيالات المتسلسلة لرموز الاستقلال اللبناني الثاني، ولا تزال. مع ذلك، فحتى هذه المشكلة المركزية لم يكن متاحاً طرقها إلا بشكل غير مباشر، ومن باب “المنظومة الدفاعية”، في واحدة من التنازلات الأيديولوجية المسبقة أمام منظمة “حزب الله”، بدلاً من الانطلاق من مسألة العدل والتوازن بين الطوائف التي يتشكّل منها لبنان، والتي لا يعقل أن تكون الواحدة منها مدجّجة بشتى أنواع الأسلحة دون الأخرى، إلا ويؤدي ذلك الى مشكلة مجتمعية وكيانية، فكيف يتنقل هذا الاحتكار الفئوي للسلاح من مصادرة قرار الحرب والسلم الى حملات التأديب والسطو في الداخل الى حماية المتهمين باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري, الى التدخل العسكري في سوريا الى جانب النظام، وتعريض الآلاف من أبناء الطائفة الشيعية للموت المحتوم، ناهيك عمّن يقتل من السوريين جراء هذا التدخل؟!

أمّا المناظرات التلفزيونية، فسواء تطورت الى التلاسن أو الأذى الجسدي أو بقيت في حدود “المضبوط”، فإنها تبقى شاهداً عيانياً على امتناع أسباب الحوار الحقيقيّ بين اللبنانيين، كما لو أنّ القطيعة التاريخية ارتسمت معالمها بشكل نهائي، وبقي بعد ذلك أن نعرف كيف يوقف الجانب الممانع فيها التنكيل والبطش بالقوى المناهضة لـ”الممانعة”.

وبين المثقفين، ليس ثمة أيضاً ما يوحي أنّ للحوار بين اللبنانيين إمكاناً موضوعياً في هذه الأيّام. فالمثقف الممانع لعبته هي على الدوام أن يبرّر للعنف ضد كل من يخالف النظام السوري و”حزب الله” في المقاربة والموقف، بل أن يحرّض على هذا العنف، وأن يعبّر في المقابل عن “الأحاسيس المرهفة” لمنظومة الشرّ الممانعة، التي تثور على كل من يخدش حياءها، كما لو أنها كانت مصابة بـ”الهيموفيليا” أو داء “الناعور” فلا تكاد تمسسها حتى يسوح دمها. خطاب الممانعين دموي و”ناعوريّ” في آن.

حتى في أحلك ظروف الحرب اللبنانية لم يكن التحاور ممتنعاً وممسوخاً الى هذه الدرجة، ولم يكن السجال خالياً من الأفكار الى هذه الدرجة. فهل إنّها ملاحظة لا تقدّم ولا تؤخر في الظروف الراهنة؟ الأرجح أنها ملاحظة تدعو الى قلق كثير وإن كانت تبحث عن رجاء.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل