كتبت رلى موفق في صحيفة “اللواء”:
ما نشهده من حركة نشطة بين اللاعبين المحليين على مسرح تشكيل الحكومة بمواصفات «الحكومة الجامعة»، في فترة سماح يُحكى عنها مُنحت لـ «الوسيط اللبناني» النائب وليد جنبلاط ، لا بد أن يكون مصحوباً بحركة نشطة خلف الكواليس من لاعبين إقليميين ودوليين لإخراج الاستحقاق الحكومي إلى حيّز النور. هذا على الأقل هو الاعتقاد السائد لدى مراقبين سياسيين تعتريهم قناعة تامة بأن تشكيل أي حكومة لا يمكن يحصل من دون غطاء ما من مكان ما. وبالتالي، فإن طبيعة الحكومة وشكلها وتوازناتها لا تعكس فقط واقع حال القوى السياسية اللبنانية فحسب، بل تعكس أيضاً مصالح وموازين القوى الإقليمية والدولية التي لها علاقة بلبنان والاستحقاقات الدستورية فيه. وليس أدل على ذلك من حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الأخيرة التي جاءت على شاكلة المشهد الإقليمي والدولي الذي كان سائداً عشية تشكيلها، تماماً كما كانت حال حكومة الرئيس سعد الحريري وسابقاتها منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط 2005، وحتى تلك التي كانت تُشكّل في زمن الوصاية السورية.
هذا الاعتقاد يدفع إلى جملة من التساؤلات، لا تجد إجابات لدى المتابعين بناء على معطيات ملموسة، بقدر ما ترتكز على قراءاتهم لمجريات الأمور التي طبعت الساحة الداخلية مؤخراً وما يرافقها إقليمياً، وإن كان ثمة مناخ أكيد أن كلا الطرفين على ضفتي 8 و14 آذار، ولا سيما «حزب الله» و«تيار المستقبل»، يتعاملون مع مسعى جنبلاط من باب الجدّية لا المناورة ولعبة تقطيع الوقت، ما يدل أيضاً على أن هذه هي حال اللاعبين الكبار خلف الكواليس. وربما هذا ما يحمل بعضاً من التفاؤل في إمكانية أن تصل المفاوضات الدائرة إلى تسوية مقبولة حول «الحكومة الجامعة».
في القراءات، أن الموقف الثابت لرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان من أنه لن يغادر سدّة الرئاسة، تاركاً البلاد في عهدة الحكومة الميقاتية، وأنه والرئيس المكلف، عازمان على إخراج تشكيلة الحكومة الحيادية عاجلاً أم آجلاً، قد حرّك المياه الراكدة. لم يعد «حزب الله» في موقع منع تأليف الحكومة، رغم كل التهويل الذي مارسه ورسائل التحذير التي وجهها. وأي ردّة فعل للحزب على حكومة دستورية وشرعية، بمعزل عن مدى قدرتها، ستؤدي إلى انكشافه أكثر داخلياً وخارجياً. فعلى المستوى الداخلي، بات الحزب يواجه الكثير من الضغوطات، أولها ضمن بيئته الحاضنة. فعبء انخراطه في الحرب السورية واضطراره إلى رفع مستوى مشاركته بات يتطلب منه على الدوام خلق مبررات إضافية وجديدة لهذا الانخراط وكلفته العالية، رغم ما توليه قاعدته له من ثقة عمياء. وتَحوُّل قلب الضاحية الجنوبية برمزيتها - كمنطقة نفوذ وسيطرة كاملة للحزب - للاستهداف بسيارات مفخخة وانتحاريين لبنانيين، يطرح عليه تحدٍ آخر أمام بيئته الحاضنة التي باتت تُبدي الكثير من القلق في مجالسها الخاصة مما ينتظرها من أسوأ إذا تفاقمت الأمور، بعد استحالة فرض أمن ذاتي مهما علت درجاته. والأهم أن الحزب وجمهوره والطائفة الشيعية عموماً أضحوا اليوم أمام واقع جديد، لم يكن في حسبانهم، وهي أن البيئة السنّية اللبنانية قد بدأ يخرج من رحمها «استشهاديون» أو «انتحاريون»، بصرف النظر عن الأسباب الداخلية التي آلت إلى بروز هؤلاء، الأمر الذي فتح الساحة اللبنانية أمام مشهد «العرقنة»، وانكشافها أكثر لدخول «متطرفين» من وراء الحدود إليها، بفعل تداعيات الأزمة السورية.
هذا الواقع داخلياً، معطوفاً على انكشافه بحكومة لا يشارك فيها، قد يكون من الأسباب التي دفعت الحزب للتراجع خطوة للوراء بقبوله الجدّي بمعادلة كان رفضها سابقاً، وهي معادلة 8+8+8، ما يعني فقدانه الثلث المعطل الذي كان شرطه الأساسي للسير في أي حكومة، وفي وقت كان الأمين العام ينصح قوى 14 آذار بقبول صيغة 9+9+6 قبل فوات الأوان، وبقبوله بصيغة بيان وزاري مستند إلى اعلان بعبدا، مع ما يعنيه من سحب لغطاء مشاركته المباشرة بالحرب السورية، حتى ولو تضمّن البيان الوزاري «صيغة ما» تؤمّن له إدراج معادلته الذهبية «جيش وشعب ومقاومة» بوجهتها الجنوبية في مواجهته إسرائيل.
لكن العوامل الإقليمية قد يكون لها، أسباب أكثر فعالية وأهمية في موقف الحزب. ففي رأي مطلعين، أن الساحة اللبنانية تشكل ساحة لاختبار النوايا للاتفاق الإيراني – الأميركي، وليس في مصلحة طهران اليوم أن تتحوّل الساحة اللبنانية، إذا ذهبت إلى انفلات أمني أكبر، إلى ساحة ضغط عليها، في وقت يمكن أن تقدّم من خلالها نموذجاً لإمكانات التعاون بدل التصادم وما قد ينعكس ذلك من إيجابية على صورتها ودورها الذي تريده واشنطن أن يكون «بنّاءً». ويذهب بعض المحللين، المقرّبين من الحزب، إلى الاعتقاد بأن الحزب قد يسير بهذا المنحى، حين تكون الحسابات الكبرى الاستراتيجية الإيرانية في الحسبان. فهو في مقابل تراجعه، حقق مكسباً أساسياً تضمّن مشاركته في الحكومة بما توفره من شرعية له، في وقت يعتبر أن هناك قراراً إقليمياً ولا سيما سعودياً بعزله، ما يعني أن الفريق الآخر قدّم بدوره تنازلاً وخطى خطوة إلى الوراء، رغم إقرار المحللين أنفسهم بأن استناد البيان الوزاري إلى إعلان بعبدا، الذي كان الحزب قد تملص منه سابقاً، يتناول في مضمونه رفع الغطاء عن انخراط الحزب في النزاع السوري. لكن هؤلاء يتحدثون بحذر عن هذه النقطة، ذلك أنهم على يقين بأن المعركة في سوريا التي يخوضها الحزب، ومن ورائه إيران، إلى جانب النظام وحماية موقع الرئيس السوري بشار الأسد مستمرة سواء بالدبلوماسية أو بالميدان.
على المقلب الآخر، يسود الاعتقاد بأن ثمة مصلحة دولية، أميركية وأوروبية وخصوصاً فرنسية في تحييد لبنان من الانزلاق في أتون الصراع المذهبي ومن امتداد النيران السورية بكليتها إليه، وثمة مصلحة عربية، ولا سيما سعودية، في إيجاد السبل الآلية للمحافظة على لبنان، والمبادرة السعودية بدعم الجيش بـ3 مليارات دولار تندرج في هذا الإطار. لكن الحذر في مقاربة الخطوات التي قطعتها اتصالات تشكيل الحكومة يعتري بدوره فريق 14 آذار الذي كوَته التجارب الماضية، فبات يُريد أن يعلم مسبقاً بما ستؤول إليه النهايات. يقول هذا الفريق أن زمن الصورة المجتزأة قد انتهى. باتت الصورة الكاملة والسلة المتكاملة من الألف إلى الياء هي بيت القصيد، ولا سيما أن الشياطين تكمن في التفاصيل. والمطلوب من وجهة نظرهم أجوبة باللون الأبيض والأسود على أسئلة تقدّموا بها إلى «الوسيط اللبناني» ونقلها إلى الفريق الآخر.
في العادة لا تحمل التسوية لوناً أبيض أو أسود. عادة ما يغطيها اللون الرمادي، والبنود المبهمة والصيغ المفتوحة على اجتهادات في التفسير. فهل نحن أمام لحظة تسوية يلتقطها اللاعبون، فتشكل بداية مظلة أمان للبنان بديلة عن بداية الانزلاق الأمني، وتكون عندها «الحكومة الجامعة» نموذجاً للاستحقاقات المقبلة وفي مقدمها الاستحقاق الرئاسي؟ لا أجوبة حاسمة عند أحد… الحذر وحده يتقدّم على ما عداه… وله أسبابه.