تكثر في الاونة الاخيرة مواقف الحرص على الدستور ووثيقة “الطائف” خصوصا على لسان القوى التي اطاحت بهاتين الوثيقتين منذ امد بعيد والى يومنا هذا.
ولعل دعوات “حزب الله” وتكتله النيابي في مواقفهم الاخيرة الى العودة الى الدستور والطائف للتحايل على حكومة ما يسمونها زورا “امر واقع” خير دليل على استباحة الحزب حتى للدستور في استخدامه مع الطائف اوراق ضغط “وجدانية” على فريق “14 اذار” للاستحصال منه مرة جديدة على تنازلات.
من هنا لا بد من وضع الامور في نصابها وفق الآتي:
اولاً: كما ان لا شيء في الدستور يمنح ثلثاً معطلاً لفريق سياسي على آخر – فكذلك ليس في الدستور ما يشير الى “حكومة أمر واقع” – فالامر الواقع الحقيقي هو الذي مارسه الحزب وحلفاؤه يوم انقلبوا من داخل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة الرئيس سعد الحريري واسقطوها بثلث معطل غير دستوري اصلا – فكما ان لا شيىء في الدستور يتكلم عن امر واقع فإن في الدستور احكام واضحة تعطي رئيس الجمهورية الصلاحية الحصرية في اصدار مرسوم تشكيل الحكومة بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء المكلف من دون قيد او شرط آخر كمثل شرط اجراء مشاورات ملزمة اذ ان هذا الشرط محصور فقط في مشاورات تسمية رئيس الحكومة المكلف (المادة 53 من الدستور)- في وقت ان الاستشارات النيابية (غير الملزمة لعدم ورود ما يفيد العكس كما في الاستشارات الدستورية تسمية الرئيس المكلف) – لتشكيل الحكومة يجريها الرئيس المكلف من دون اي قيد او شرط وبالاتفاق مع رئيس الجمهورية (المادة 64 من الدستور).
وبالتالي ليس في الدستور ما يسمى حكومة امر واقع – بل حكومة تشكل وفق الاليات الدستورية التي تمنح رئيسي الجمهورية والحكومة المكلف دون سواهما حق التشكيل – وما الأمر الواقع الا في معادلة الرعب والترهيب التي يحاول “حزب الله” اشاعتها للتأثير على الرئيسين والضغط باتجاه حمل قوى “14 اذار” على القبول بحكومة سياسية جامعة اثبتت التجارب عقمها – وعدم جدواها للنهوض بالاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية حيث “تسيست” لقمة عيش المواطن لدرجة حرمانه من كل شيء.
ثانياً: وصلنا في مخاض تشكيل الحكومة الى ما كنا نراه منذ البداية من ان المشكلة الحقيقية ليست في التشكيل وتوزيع الحقائب الوزارية وعدم اقرار الثلث المعطل مجددا على اهمية الموضوع بقدر ما هي في البيان الوزاري الذي لا يزال “حزب الله” يصر الى الآن على تضمينها ما يضمن استمرار مشروعيته الدستورية مغتصباً النصوص والمواثيق والدستور نفسه. فالدستور لم ينص على وجوب تكريس بند الثلاثية وهو اساسا لم ينص على مقاومة، بل على ان “الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية” (فقرة د من مقدمة الدستور ). كما ان اتفاق الطائف لم يتناول موضوع المقاومة بل تكلم في البند (ثالثا) عن التمسك باتفاق الهدنة في 23 اذار 1949 وعن استعادة الدولة (وليس ميليشيات مقاومة او غير مقاومة) لسلطتها حتى الحدود اللبنانية (الامر الذي تحقق مع القرار الاممي رقم 1701) واتخاذ كافة الاجراءات اللازمة لتحرير جميع الاراضي اللبنانية من الاحتلال وبسط سيادة الدولة (وليس الميليشيات)على جميع اراضيها ونشر الجيش اللبناني في منطقة الحدود (وليس مقاومة) العمل على تدعيم وجود قوات الطوارئ لتأمين الانسحاب الاسرائيلي … وبالتالي فإن بند السيادة في اتفاق الطائف لم يخول الا باستعمال الوسائل والادوات الشرعية الدستورية (جيش ودولة) والشرعية الاممية (قوات طوارئ دولية) لتحرير لبنان من الاحتلال – وفي هذا الاطار لا بد من توضيح الآتي:
أ – ليس في اتفاق الطائف ما يثبت حق المقاومة الشعبية وان وجد مثل هذا الحق فهو بالتأكيد لا يمارس الا من خلال مؤسسات الدولة وليس الشعب.
ب – ليس في اتفاق الطائف ما يشرع التعويذة الثلاثية (جيش شعب ومقاومة) لان تحرير الاراضي اللبنانية وفق اليات الطائف واضحة كما تم استعراضها اعلاه.
ج – ليس في اتفاق الطائف كما في الدستور ما يلزم بتضمين اي بيان وزاري التعويذة اعلاه، لا بل اكثر من ذلك ليس في الدستور ولا في وثيقة الطائف ما يلزم.
ثالثاً: اما لجهة ميثاقية الحكومة، فإن لا شيء في الدستور ولا في الطائف يشير الى اشتراط تمثيل القوى السياسية الطائفية في الحكومة لاعتبارها ميثاقية – بل ان نص المادة (95 من الدستور) يشير الى “تمثيل الطوائف بصورة عادلة ” (وليس الاحزاب ) الا اذا اعتبرنا ان الاحزاب باتت هي التي تمثيل طوائفها وفي ذلك الغاء لقسم كبير من الرأي العام غير المحازب والحزبي واعتداء على السلطات الروحية وفي دورها المرجعي لطوائفها، خصوصا ان اي من تلك السلطات الروحية الى الان لم تتبن حصر تمثيل طائفتها او مذهبها بفريق سياسي واحد او محدد.
وبالتالي فإن كافة الطروحات التي تطالعنا يومياً بالوعيد والتحذير والضغط على نفوس الناس باطلة بطلاناً دستورياً وميثاقياً وما على الرئيسين الا الذهاب حتى النهاية في تشكيل حكومة لبنانية كما يريانها فلبنان في خطر مصيري شديد واللحظة لم تعد للمناورات.
