لا تبدو قوى “14 آذار” قادرة على رفض صيغة “8+8+8″، لكي لا تبدو في مظهر المعرقِل تأليف الحكومة، ولا تستطيع في الوقت نفسه القبول بهذه الصيغة من دون تحديد الأجندة السياسية لهكذا حكومة، خصوصاً لجهة قتال “حزب الله” في سوريا، والانقلاب على “إعلان بعبدا”، وموضوع المحكمة الدولية. في هذه القضايا مجتمعة يصبح الجلوس على طاولة مجلس الوزراء مع “حزب الله” نوعاً من التسليم بما يقوم به، وفي موضوع المحكمة الدولية تحديداً، تبدو هذه المشاركة أقرب الى الاعتراف بنتائج اغتيال محمد شطح وبقيّة الشهداء.
لا يخفى أنّه، وفور موافقة “حزب الله” على صيغة “8+8+8” المموَّهة، سادَت وجهتا نظر داخل تيار “المستقبل”، وقوى “14 آذار”. في الاجتماع الأخير لكتلة “المستقبل”، بدا الرئيس فؤاد السنيورة أقرَب الى المرونة منه الى التشدّد في بحث المشاركة في الحكومة. كان يقول: البلد لم يعد يتحمَّل، ويضيف: علينا المساعدة بتأليف حكومة تُسيِّر قضايا الناس من دون أن نتخلى عن ثوابتنا. أمّا الرئيس سعد الحريري فقد كان من الخارج متصلّباً، ورفض المشاركة مع “حزب الله” في حكومة واحدة، ما لم ينسحب من سوريا ويقبل بـ”إعلان بعبدا”، ويتعاون في موضوع المحكمة. هنا بَدا أن الوزير السابق وئام وهاب استقى معلوماته من مصدر خاطئ، بحيث نسب التشدد للسنيورة والمرونة للحريري. الأجواء في اجتماع الكتلة، التي صدر عنها البيان في اليوم التالي لضرورات أمنية، كانت تميل الى التشدّد، والى اعتبار أنّ قبول “حزب الله” بصيغة “8+8+8” ليس كافياً للمشاركة في الحكومة. شَدّد غالبية النواب على ضرورة الاتفاق على أجندة هذه الحكومة أوّلاً، وتبادُل الحقائب ثانياً، والبحث في موضوع الأرقام ثالثاً، وهو ما يعني اشتراط الانسحاب من سوريا، والقبول بـ”إعلان بعبدا”، للانتقال الى البحث في الحقائب والأرقام.
داخل “14 آذار” أسئلة حول تهافت “حزب الله” الآن على تأليف الحكومة بعد تسعة أشهر من التعطيل. هل يعود السبب للحاجة الى توقيع رئيس الوزراء السني حكومة تغطي القتال في سوريا، وعلى مشاركة تيار “المستقبل” في هكذا حكومة؟ أم للرغبة في استباق تطورات متسارعة على صعيد علاقة ايران بالمجتمع الدولي؟ أم الى تفادي المزيد من الانزلاق في النزاع المذهبي؟ أم لكلّ هذه الأسباب مجتمعة؟
لا توحي اللهجة الانتصارية لـ”حزب الله” التي لم يكد يجفّ حبرها، بكلّ هذه المرونة التي يفاجئ الحزب خصومه بها. وهو على الأرجح أرفَقها بتهديدات عن نيّته ارتكاب 7 أيار جديد، ووَضع الاستحقاق الرئاسي في بازار تأليف الحكومة من باب التهديد بتعطيله. ومع ذلك، فإنّ الحزب يستمر في التلويح بالوسائل العنفية، على رغم مهادنة الرئيس ميشال سليمان ظرفياً، علماً أنّ رئيس الجمهورية أدّى في اليومين الأخيرين دور ساعي البريد، عندما انسحبَ من التفاوض، لكي يترك لجنبلاط وبرّي محاورة “14 آذار”، فإذا ما تمّ الاتفاق تولَد الحكومة، وإلّا فإنّ خيار الحكومة الحيادية يبقى قائماً.
ليس سراً أنَّ برّي وجنبلاط نقلا الطابة الى ملعب “14 آذار”، وعليه فإن هذه القوى تواجه قراراً تاريخياً ومصيرياً، يشبه مرحلة “السين السين”.