#adsense

أبناء وادي خالد: منطقتنا عصيّة على الفكر الانتحاري

حجم الخط

ترك الكشف عن اسم الانتحاري قتيبة الساطم ابن بلدة حنيدر في وادي خالد، وما رافق ذلك من اتهام المنطقة بأنها بيئة حاضنة للارهاب، موجة استياء عارمة لدى أبناء وادي خالد الذين أكدوا أن “لا وجود لا لـ”داعش” أو غير “داعش” في بلدتهم، وأنه حتى عندما تسرّب عناصر فتح الاسلام من سوريا إلى لبنان ومخيم نهر البارد لم تكن معابر الوادي مفضلة لديهم خوفاً من الوقوع في الأشراك ومن رفض الأهالي لكل ما يسيء للبنان وللاعتدال”، منددين بـ”الإشاعات المغرضة التي تحاول تصوير بلدتهم على أنها بؤرة عسكرية في وجه الجيش، تمهيداً للفتن والأعمال المشبوهة ولمسلسل مدبر للمنطقة، في حين أن السلوك العام للوادي ينزع نحو المسالمة والاستكانة ولا إمكانية لتغلغل الفكر الانتحاري ولا أرضية له”.

وسرت في الفترة الأخيرة موجة إشاعات سرّبت بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن منطقة وادي خالد تحديداً، بالتزامن مع إجراءات أمنية مشددة عبر إقامة حواجز في المنطقة عمدت إلى التدقيق في الهويات والأوراق الثبوتية والسيارات العابرة.
وتترافق هذه الاجراءات مع كمّ هائل من الأسئلة لا يزال يطرح نفسه بقوة لدى عدد من وجهاء العشائر وأقرباء قتيبة الساطم، حيث لا جواب شافياً حول عملية التفجير، وحيث إنه لا يمكن أن تدخل القناعة إلى عقول الغالبية من الوجهاء وأصحاب الكلمة الفصل بأن أحداً من وادي خالد قد يقوم بتنفيذ مثل هذه العمليات وتتبناه “داعش” التي لا وجود لها في وادي خالد، إلى المعلومات المباشرة وغير المباشرة المتداولة عن ضغوطات تمارس على الأهل لكي لا يطلقوا اتهامات من هنا وهناك ويسلموا بالأمر الواقع.

واللافت هو الرفض الكلي والشاجب لتبني العملية من قبل “داعش”، خصوصاً أن البنية الفكرية والعادات والتقاليد وطبيعة المنطقة الجغرافية الواقعة على خط النار بين بيت جعفر القصير – أكروم ومناطق ريف حمص وطرطوس لم تستولد انتحاريين على امتداد عامين ونيف من عمر الثورة السورية. وحتى في عز الصراعات والاشكالات مع الجانب السوري كانت المنطقة تتلقى ضربات موجعة وتخسر من أبنائها وشبانها في كمائن حتى داخل الوادي، إلى بيوت دُمّرت وقصفت وشبان اختطفوا إلى الداخل السوري، رغم ذلك كله ظلت المنطقة بمنأى عن ردات الفعل واكتفت بالتحرك تحت سقف الدولة.

الأمر الأهم هو أنه لم يستطع الفكر المسمى تكفيري وخلاف ذلك، أن يتغلغل في الوادي ولا في قراه، فلم تظهر مجموعات ولم تستوطن المساجد بالفرق والمدارس المتطرفة والخطب المتطرفة على الاطلاق، بل إنه، وإن ظهر ميل سياسي، كان يتم بإصرار التمسك بفكر الرئيس الشهيد رفيق الحريري وبـ”تيار المستقبل” الذي له المكانة الطيبة في قلوب كل أبناء الوادي والذي أعاد للمنطقة هويتها ولأهلها انتماءهم إلى لبنان.

أكثر من ذلك، حتى عندما كانت وادي خالد تودّع أبناءها الذين قتلوا على يد النظام السوري، كانت هناك شعارات تطالب الدولة باستعادة الحق عبر الأقنية الديبلوماسية والمحاكم، بل كانت النزعة الدائمة نحو الانفتاح والمزيد من المطالبة بالانخراط في مؤسسات الدولة لانتشال الوادي الذي يكبر عدد سكانه ويتزايد تأثيره مع محيطه من خلال فتح الأبواب إلى المؤسسات بما فيها المؤسسة العسكرية وفتح الباب واسعاً لدخول شبان إلى الكلية الحربية والوظائف العامة لإشعار الأهالي بانتمائهم إلى وطنهم. كما لم يسجل أي خلاف أو صراع مع محيط متنوع طائفياً على خلفية مذهبية، ولم تظهر ولا بأي شكل من الأشكال البنية القواعدية لتنظيمات متطرفة أو متشددة أو طائفية.

وفي هذا الإطار، يلفت البعض إلى زيارة أحمد الأسير إلى وادي خالد في الثالث من نيسان/أبريل 2012، والتي كانت خجولة جداً، حيث تمّ استقباله بأعداد قليلة في أوج تصاعد ظاهرة الأسير. فعلى الرغم من أن تيارات وقوى أساسية وسلفية دخلت على خط الزيارة في حينها، كان حجم المشاركين في المهرجان، الذي أقيم عند تقاطع الرامة، المئتين، خجولاً وغالبيتهم استقدموا على متن باصات من خارج المنطقة.

وتجدر الاشارة إلى أن جل ما كانت تشهده وادي خالد هي تحركات شعبية وشبابية ديموقراطية الطابع ومهرجانات تأييد ودعم للثورة السورية، كانت في جوهرها تعبوية وسياسية ولم تتخط إطارات مهرجانات الدعم التي كانت تجري في كل المناطق على مرأى من الدولة وأجهزتها.

وتلفت مصادر متابعة ومطّلعة على عادات وتقاليد المنطقة، أنه ومنذ نشوء وادي خالد وفي فترات أشد صعوبة مرت فيها المنطقة، حيث كان بالامكان أن تستولد ردات فعل تنتج أكثر من انتحاريين، بقيت العشائر على صفتها العامة وعلى طابع العلاقات السائد الذي يقوم على ازالة التوترات، حيث إن السلوك العام ينزع نحو المهادنة والاستكانة والاحتكام إلى المرجعيات في الحلول وتبريد الرؤوس الحامية من الأبناء الذين يشذّون أحياناً، فكل شاب يعرف الآخر، وكل فرد يدرك ويتهيب ويحترم الآخر ويتم كل ذلك عبر الاحتكام إلى ما يقول الوجهاء. وإن ظهر ما قد يزعزع هذا المناخ ويهزّ هذه الأعراف والتقاليد، فإنها كثيراً ما تعالج بالحكمة والروية والتعقل، وبالتالي ترفض هذه الأوساط فكرة أن تكون بيئة وادي خالد قد تغيرت أو طرأ عليها تغير بنيوي، إذ لا يمكن أن نتحدث عن تغير ثقافي للفكر العشائري وهو إن حصل يعني أن انقلاباً كبيراً حصل في المفاهيم.
ويؤكد عدد من الفعاليات ويصرّ على أن لا شيء قد تغير لننتج ما ليس لنا طاقة وقدرة على تحمله، ففي أكثر من محطة معروفة مثلاً حين قتل أربعة من أبناء الوادي على يد القوة المشتركة لضبط الحدود وهم محمد أحمد وفضل الله الشهاب ووليد عزو وأسعد العويسي في الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر 2010 ، جرت المطالبة بالاحتكام إلى الدولة والقانون، رغم أنه كان بالامكان أن يحدث ما لا يمكن أن تحمد عقباه، بل لم تخرج ردود الفعل عن إطارها حتى أن بيان العشائر والفعاليات في حينه تضمّن موقفاً يؤكد التمسك بالذهنية المعتمدة في هكذا حالات والتي تفترضها تقاليد العشائر، حيث طالب المجتمعون الحكومة وقيادة الجيش بإعادة تحديد مهمات القوة الأمنية المشتركة وحصر مهماتها بضبط تهريب الأسلحة والأفراد وفق القرار 1701، كما طالبوا بحصر تواجد القوة الأمنية على الحدود اللبنانية السورية وسحب العناصر فوراً من داخل قرى وبلدات وادي خالد ومنع تواجدهم بين المنازل مع التأكيد أن وادي خالد هي في قلب عكار ولبنان وجزء لا يتجزأ منه.

حتى في ظل الاعتداء عليها من قبل كتائب الأسد وقتل شبان منها في المقيبلة على يد ما تردّد أنها فرقة سورية، وهم: ماهر أبو زيد وأحمد حسين زيد وشقيقه كاسر في 29 كانون الأول/ديسمبر 2011، وما لحقه من أحداث من اختطاف بعض أبنائها وأبرزهم محمد سليمان الأحمد في 22 حزيران/يونيو 2012 إلى الداخل السوري، ظلّت ردود الفعل في الوادي تحت السيطرة إلى أبعد الحدود. كل هذه المعطيات لا توحي البتّة بأن هناك إمكانية لتغلغل الفكر الانتحاري التطرفي ولا أرضية له، وتؤشر إلى عكس ذلك تماماً ولا يمكن أن تمهد السبيل لظهور ظاهرة الانتحار وانتشارها، رغم التشكيك الذي لا يزال سائداً حول دور الساطم في تفجير حارة حريك.

واللافت أن ما يجري الحديث عنه في الكواليس بين من يقرّر في الوادي وإن كان يسرّب همساً، وهو أن حجم الاختراق السوري في وادي خالد الذي عمره من عمر نظام الأسد بامكانه أن يعرف الشاردة والواردة، وبالتالي يظهر أن كل القضية وما يكتنفها عبر الايحاء بوجود هذه الأرضية المتطرفة، لها من يغذيها ويسعى إليها مداورة أو بطريقة مباشرة عبر تسليط الأبواق الاعلامية على الوادي وأبنائه، كالقول إن المنطقة أصبحت قاعدة تدريب للجيش الحر وخلاف ذلك، الأمر الذي تنفيه كل الأوساط التي تؤكد أنه “لو كان الأمر كذلك لما طالب الناس بالجيش اللبناني، ولما ارتاحت المواقع السورية يوماً عند الحدود وهنأ بالها. كما كان بالامكان المساعدة في فك الحصار عن قرى سورية مجاورة، إلا أنه جرى فقط احتضان النازحين رغم صلات النسب والرحم، وكان بالامكان القيام بما ليس بحسبان النظام السوري في قلعة الحصن والزارة وتلكلخ والمحيط، فنحن لسنا بحاجة لنرسل انتحارياً إلى قلب الضاحية لارتكاب ما هو مدان ومستهجن ومستنكر من قبل كل العشائر، إنما كان بالامكان توجيهه، إن وجد، نحو أهداف أقرب.

من جهة أخرى، لا يفهم أهالي الوادي اليوم ما يكال ويضخ ويطبخ بحق منطقتهم، فبعيد أسبوع تقريباً على عملية حارة حريك تردّدت معلومات عن سيارات مفخخة في وادي خالد والمشاتي وعن مظاهر مسلحة وتفتيش للسيارات والمارّة، الأمر الذي حوصر بقوة، حيث توجهت دوريات الجيش إلى الوادي. كما يتمّ اشاعة أخبار عن وجود سيارات مفخخة وكلام عن استهداف كتائب الأسد للوادي رداً على اتهام أحد أبنائه بعملية حارة حريك.

يتبين من خلال هذه الموجة أن شيئاً يُحضّر للمنطقة، تشارك فيه أجهزة من وراء الحدود وأدواتها. الأمر الذي يشدد الأهالي على أهمية ردعه وتعميم الأمن والطمأنينة لدى السكان المتخوفين من انفلات الأمور وتطورها.

في الوقت عينه، صدرت بيانات منددة طالبت الأجهزة المختصة بكشف كل المستور وإزالة كل اللبس بشأن قضية قتيبة الساطم وكم الأسئلة الهائل التي لم يقدم أي أحد على المستوى الرسمي أي جواب شاف عنها، سوى الاكتفاء بنتائج فحص الحمض النووي. وقد زادت الوقائع والمعلومات المتضاربة من حجم الأسئلة المحيرة بشأن كل العملية وما صدر من مواقف حتى ممن هم مقربون من “حزب الله” من تعليقات وشبهات زادت من الارتياب بشأن ما حصل.

وتؤكد هذه الأوساط أن كل ما يجري ويدور يأتي في نفس السياق الذي أوردته إحدى الصحف المحلية في الرابع من حزيران/يونيو من العام الفائت وأتبعته بأخبار ملفقة في نفس السياق عن وجود ما يقارب الخمسة عشر ألف مقاتل في سهل وادي خالد مستعدين للقتال. وإذا صح هذا الأمر، فكيف لم ترد السلطات الرسمية المنتشرة في أحد عشر موقعاً عسكرياً في وادي خالد على هذه الإشاعات المغرضة، ورأت أن كل ما يجري وقد يحصل هو في المحصلة العامة نتيجة لمثل هذه الإشاعات المغرضة عبر إعلاميين محليين بعضهم مرتبط حتى النخاع الشوكي بمكاتب المخابرات السورية متلقين مقابل ذلك مبالغ وتسهيلات.

في السياق عينه، صدر عن الشيخ عماد الخالد بيان جاء فيه: “كثر في الآونة الأخيرة كلام مشبوه من شأنه اثارة الفتن والقلاقل في وادينا الحبيب وتصوير الوادي على أنه بؤرة يسودها أشباح الخوف، وأنها تمثل حالة تمرد في هذا البلد. وعليه نقول إن كل من دخل الوادي وعرفه يعرف يقيناً أن وادي خالد مكان للوفاق والأمن والأمان والسلم والسلام، وعندما علم أهل الفتنة أنهم لن يستطيعوا صبغة الوادي بشبهاتهم، بدأوا اللعب على نار التوتر الأمني وإثارة الفتن بين أهل الوادي والأجهزة الأمنية، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، هادفين إلى إيقاع صدام بين أهلنا وعموم الشباب الملتزم وبين المؤسسة العسكرية”. وأضاف: “تارة يروّجون أن الجيش ألقى القبض على نساء في الوادي وتارة يقولون إن الجيش يقوم بمداهمات عشوائية، وتارة يقولون الجيش يتتبّع أهل اللّحى ويلقي القبض عليهم، وكل هذا محض كذب يستغلون عبره غضب اللحظة الأولى لبعض المتهورين، إذا وجدوا، لدفعهم إلى الصدام مع الجيش، وتارة يقولون إن الجيش ينتشر في الوادي ويكثر من حواجزه للتضييق على الوادي ويتناسى هؤلاء الفتنويون خطر التفجيرات الذي من الممكن أن ينتقل من مكان إلى آخر”.

ونبّه الخالد من “أخبار مشبوهة يقف وراءها مثيرو الفتن والقلاقل والإشاعات، لأن هناك من يريد أن يوصل رسالة إلى الرأي العام، مفادها أن الوادي يشكل بؤرة عسكرية في وجه الجيش، تمهيداً للفتن والأعمال المشبوهة ، وندعو الله أن يحمي بلدنا من كل سوء وأن يكفينا شر الحاقدين”

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل