يوم تمّ الالتفاف على فخامة الرئيس في الحكومة التي وُضِعَ فيها “وزير ملك” لغماً مؤقتاً لتفجير الحكومة ساعة يشاء مَن يملك القدرة على التفخيخ والتفجير، ومَن يريد أن يهدم البناء ويقوّض المؤسسات أو مَن يريدها فخّاراً مكسوراً على شاكلة الإستابليشمنت الذي يحلم به، اعتقدَ البعض أنّ هذا الأسلوب، وإن اتخذ شكلاً آخر، يمكن أن يمر على شاكلة “الثلث المعطّل”، فاستمر شَدّ الحبال يرافقه رفع الأصابع والتهديد والوعيد بالويل والثبور وعظائم الأمور في حال أُلِّفت حكومة لا يرضى عنها أهل السلاح، ترافقَ ذلك أخيراً مع الحديث عن مفاجآت يعدّها هؤلاء بما يُشبه العصيان أو 7 أيار جديد… هذا “اليوم المجيد”!
إضافة إلى ذلك، تمكّن أهل السلاح كالعادة من اجتذاب بعض القوى الوسطية الى صفّهم، خوفاً أو “لطيةً” لا فرق، فاعتقد هؤلاء أنّ حظوظهم في الابتزاز قد ارتفعت، وهم لم يرتدعوا يوماً حتى عن التلطّي وراء المقامات الدينية أو التأثير فيها، تارةً في تصوير أنفسهم حماة للبعض وطوراً في تخويف بعضها الآخر من مغبّة خسارة المواقع التي تمثّلها طائفياً، ما جعلها تخاطِب الرأي العام تحت وطأة التهديد والخوف والوعيد والترهيب في مقابل وعودها بعدم حصول فراغ رئاسي!
لكن مَن كان مصمّماً على ألّا يُنهي ولايته مُكرهاً مُحاصراً مُقيّداً خائفاً أو أسيراً لا يمكنه إلّا الثورة لفَكّ القيود وتخطّي الحواجز ونَزع العوائق، فهو حُكماً سينتفض على هذا الواقع، وقد انتفض يوم راح يدين كلّ عدوان على الدولة بأرضها وشعبها ومؤسساتها يوم اعترض على التمديد المُذلّ لأصحابه قبل أن يكون مُذلّاً للشعب. كذلك، رفع الصوت عالياً ضد القصف الذي يطاول بعض المناطق المحددة، ورفع الصوت عالياً أيضاً في وجه المسخّرين لأعمال تفجيرية بُغية ذرع الفتن والشقاق بين أهل الوطن، حتى بات الجيش اللبناني يواكب خطاب فخامة الرئيس هذا بتوجيه نيرانه في التصدي للعدوان والردّ عليه.
كذلك، لم يترك مناسبة إلّا وتمَسّك فيها بمفهوم الدولة في مقابل منطق السلاح والمربّعات والساحات والزواريب التي لا تبني وطناً، والتعنّت الذي لا يتدارك المواقع والأدوار والقوى السياسية، معتقداً أنه وحده مَن يَشغَل الساحات والواحات ويحتلّ المواقع ويجيد الأدوار، أمّا سواه فهم خاضعون مكرهون لا حول لهم ولا قوة إلّا الخضوع والخنوع.
فها هو فخامة الرئيس يصرّ على مواقفه ويتمسّك بها، فيجبر أهل السلاح على التراجع عن المطالبة بـ”الثلث المعطل” بعد قبولهم فكرة الحكومة المبنيّة على التوازنات غير المعطّلة والمتساوية والمتوازية، فلا تعطيل ولا تفخيخ بـ”وزير ملك” أو تعويذة مماثلة. وإنّ مجرد التداول بأفكار مِن مِثل حكومة 8+8+8، هو انتصار لمنطق الحق على منطق القوة، حيث يذكّر الرئيس الشعب بأنه يجب ألّا ييأس من الوصاية الجديدة التي تشكّل استمراراً للوصاية السابقة، مع فارق كبير أنّ العدوان الذي يطاول الشعب اللبناني باتَ من الداخل والخارج، وأنّ هذا الداخل ينتمي إلى ولايات وحضارات ودوَل غريبة عن الواقع اللبناني، وإذا انتصرَ منطق الحق ومفهوم الدولة نأمل في أن يعود الضالّون يوماً عودة الإبن الشاطر الذي انشطرَ على أهله وبيته وبيئته بعدما سَكِرَ بمنطق القوّة فراح يتصرّف مع أهله بمنطق الفرض والإكراه الذي لا يؤسّس إلّا للثورة. فهل ارتدعَ واتّعَظ؟