#dfp #adsense

“تدوير الزوايا”…أو حكاية إبريق الزيت!

حجم الخط

قصة تدوير الزوايا في لبنان لا تختلف في شيء عن حكاية ابريق الزيت في التقاليد الشعبية اللبنانية. الأسئلة فيها تفتح على أسئلة جديدة، ودائماً من دون اجابات، لتعود الأسئلة في الختام الى بداياتها الأولى وكأن شيئاً لم يكن.

في مسألة تشكيل الحكومة في المرحلة الراهنة، تعود قصة تدوير الزوايا هذه الى الظهور مجدداً علها تؤدي، كما يقول المعنيون بها، الى إخراج الحكومة، وبالتالي البلد كله، من عنق الزجاجة. لكن المحصلة، كما يبدو من الآن، لن تكون مختلفة عما درجت عليه الأوضاع اللبنانية على مدى السنوات الماضية. أما السبب، فهو أن تدوير الزوايا لا يعدو كونه، هذه المرة أيضاً كما في السابق، تلاعباً بالكلمات قد ينفع في تأجيل الخلافات الا أنه لا يلغيها حتماً ولا حتى يحد من تفاقمها لا الآن ولا في المستقبل.

والدلائل على ذلك كثيرة، أقله منها ما لا يزال في الذاكرة عما حدث في الدوحة لجهة استبدال “الثلث المعطل” الذي يصر عليه أطراف قوى 8 آذار بما سمي يومها “الوزير الملك”، ولكن بشرط عدم استقالة هذا الوزير أو أي من زملائه في قوى 8 آذار من الحكومة. وكانت النتيجة أن هذا الفريق أخذ “الثلث المعطل”، موارباً باسم تدوير الزوايا هذا، ثم استقال وزراؤه جميعهم من الحكومة، بمن في ذلك “الوزير الملك” نفسه. والبقية معروفة: اقالة حكومة الرئيس سعد الحريري باستقالة هؤلاء منها من جهة أولى، وتشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي بقرار مشترك من سوريا وايران و”حزب الله” من جهة ثانية، ودخول البلاد تالياً في المأزق الذي لا تزال تعاني منه حتى الآن من جهة ثالثة.

كيف يحاولون أن يفعلوا الشيء نفسه الآن، أي تدوير الزوايا، لجهة “الثلث المعطل” هذا أولاً، ثم لجهة ثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة”، فضلاً عن “اعلان بعبدا” الذي وصفه “حزب الله” وحلفاؤه في 8 آذار بأنه مات قبل أن يولد؟، وما الذي يمكن أن يؤدي اليه ذلك كله مما لم يعرفه اللبنانيون ولم يختبروه جيداً جداً خلال الفترة السابقة؟.

لا جدال في أن لبنان في حاجة الى حكومة جديدة في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه، بل وفي حاجة ماسة اليها، الا أنه قبل ذلك وبعده يحتاج الى وضوح في الرؤية والموقف: رؤية ما يمر به وتمر به المنطقة كلها في هذه المرحلة، وتحديد الموقف منهما… وليس الى ما يوصف بتدوير الزوايا أو التلاعب بالكلمات، ارضاء لهذه الجهة الحزبية أو السياسية أو تلك.

لكن أية رؤية، وأي موقف، تشي بهما أطراف ما يسمى “محور المقاومة والممانعة” في لبنان حالياً؟.

ـ رفضت هذه الأطراف، بقرار من قيادتها في “حزب الله”، تشكيل حكومة على أساس صيغة 8-8-8 على امتداد الشهور السبعة الماضية، انطلاقاً من تمسكها بالحصول على ما تسميه “الثلث الضامن” في الحكومة، ولم تقل كلمة واحدة خلال الأيام الماضية عن الأسباب التي دعتها الى القبول بهذه الصيغة الآن ولا أساساً عن موقفها من الثلث المشار اليه… ربما اعتماداً على نظرية “تدوير الزوايا” التي خرج بها الرئيس نبيه بري في الفترة الأخيرة.

هل يذكر اللبنانيون تشريح هذه الصيغة، في خطاب متلفز للأمين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصر الله، وقوله انها عبارة عن 10-8-6 على اعتبار أن الرئيس المكلف تمام سلام هو عضو في تحالف 14 آذار وليس وسطياً كما يتم التعامل معه منذ تكليفه بتشكيل الحكومة بشبه اجماع قبل سبعة شهور؟.

ـ رفضت هذه الأطراف طيلة الفترة الماضية أيضاً، وبقرار من قيادتها اياها، مبدأ التداول في الوزارات تحت أي مبرر ولأي سبب، ولم تقل شيئاً في المدة الأخيرة عن الأسباب أو الدوافع التي جعلتها تقبل بهذا التداول خلال المداولات الجارية حالياً. كذلك فانها لم تنبس ببنت شفة حول ما كانت تقوله عن صيغة 9-9-6 التي اعتبرتها الصيغة الوحيدة المقبولة من جانبها… بل وحتى التي قالت انها الوحيدة التي تتوافق مع الدستور والميثاق الوطني والعيش المشترك!.

ـ وبعد ذلك كله، هل يمكن القول مثلاً ان “اعلان بعبدا” قد عاد الى الحياة مجدداً بعد اعلان موته، أو أنه لم يعد مجرد ورقة للنقاش كما قال أحدهم محاولاً تعديل ورقة النعي التي نشرها معلمه، أم أن المنتظر أن تلعب مقولة تدوير الزوايا اياها دوراً توفيقياً (اقرأ، تلفيقياً) في هذه الحالة أيضاً؟.

وماذا عن اقتراح قطب 8 آذار، الرئيس نبيه بري، انتخاب رئيس للجمهورية قبل الموعد المحدد دستورياً لذلك بين 26 آذار و26 أيار، وقوله تبريراً ان هناك سابقة لمثل هذه الخطوة… بما يعنيه قوله من اعتبار الرئيس ميشال سليمان طرفاً في الأزمة الحالية، كما كانت الحال مع الرئيس الأسبق سليمان فرنجية عندما تم انتخاب الرئيس الياس سركيس خلفاً له قبل انتهاء فترته الرئاسية في العام 1976؟.

ـ في الموضوع السوري، هل لا يزال السيد حسن عند قوله انه مستعد للانتقال شخصياً مع كوادر حزبه كلهم (بمن فيهم ربما الوزراء في الحكومة العتيدة) للقتال الى جانب قوات بشار الأسد في سوريا اذا ما كانت هناك ضرورة لذلك؟.

ـ وفي ما يتعلق بتبرع المملكة العربية السعودية بمبلغ ثلاثة مليارات دولار أميركي لتسليح الجيش اللبناني، ومبادرة الحزب للتشكيك في هذه الخطوة منذ اللحظة الأولى، هل يبقى الحزب وحلفاؤه في الحكومة العتيدة عند موقفهم هذا ويرفضون بالتالي تزويد الجيش بما يحتاجه من أسلحة ومعدات لمجرد أنها تأتي من السعودية… لتبقى مقولة “الجيش والشعب والمقاومة” عند معناها المضمر منذ سنوات… المقاومة فقط، أي “حزب الله”، ولا شيء غير الحزب وسلاحه وموقفه من ايران وسوريا والعراق والبحرين الخ..؟.

…وهل ينفع في التوفيق بين ذلك كله، أو تلفيقه، ما يقال في هذه الأيام عن تدوير الزوايا، أو حكاية ابريق الزيت ما غيرها؟.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل