عندما تأمنت مثل هذه القاعدة العريضة، المتعددة طائفياً والفائضة عن الطوائف، كان “الاستقلال الثاني” هو التعبير الذي جرت المسارعة الى اعتماده. لكن هذا التعبير، ومن يوم الانتفاضة القائمة تحت يافطته الى اليوم، بقي منفصلاً عن البحث في امور كثيرة. اولها، كيف يرى الاستقلاليون الى طبيعة الازمة الاهلية الحقيقية بين تكوينات هذا البلد، ما دامت القاعدة العريضة التي نادت بالجلاء السوري لا تشمل كل اللبنانيين. وثانيها، كيف يرون الى الطبيعة الهجينة لهذه القاعدة العريضة نفسها حيث انها في وقت واحد حصيلة اجتماع عدة طوائف وحصيلة وقائع تحركية مدنية متجاوزة للطوائف. وثالثاً، كيف يمتلكون نظرة شاملة، تجمع بين مواجهة التدخل السوري – الايراني المستهدف للفكرة اللبنانية بحد ذاتها، وبين الاقرار بأن للتحالفات التي ينعقد على أساسها الاجتماع الاستقلالي اللبناني، والتحالفات التي يعقدها هذا الاجتماع الاستقلالي عربياً ودولياً ينبغي ان تخضع هي الاخرى لمعايير يمكن ان تتفاعل مع العنوان العام الذي أعطي لانتفاضة اللبنانيين على الوصاية السورية: الاستقلال الثاني.
فالاستقلال الثاني لا يمكن ان يتحدد فقط بالمعنى السلبي، اي سحب الجيش السوري وكفى، بل انه ما دام لم يقرّ بجذرية الأزمة الأهلية وبخطورة ارتباط هذه الازمة الاهلية مع الاستقطابات الاقليمية بحيث تضاؤل مساحات التقرير اللبنانية لمعظم الفئات، سوف يبقى شبح استقلال ثان، وسوف تكون كل الدعوات الاحيائية والاستنهاضية للحظات التألق الانتفاضي الاولى، بلا أفق حقيقي.
واليوم، هذه هي المحاور المغيبة عشية الأخذ والرد المستجد في موضوعة التشكيل الحكومي، وما اثاره هذا داخل اللفيف المنتمي الى تراث القاعدة العريضة التي سرّعت بالجلاء السوري قبل ثماني سنوات، ونصرت قضية المحكمة الدولية، ثم واجهت هيمنة “حزب الله” من دون ان تنجح في كف يده لبنانياً ومن ثم سورياً.
