جمهور 14 آذار ، الكوادر ، الشباب ، المحازبون وغير المحازبين ، معهم حق .
معظمهم يسأل: أي شراكة بين قاتل ومقتول ؟ أو يعلّق : يرضى القتيل ولا يرضى القاتل !
ملّت الناس من الشعارات الخشبية ، تعبت من الصمود، روائح الموت والدم والدخان الأسود تعبق في الأنوف والرؤوس .
أحد عشر شهيداً من رموز انتفاضة الاستقلال وعشرات غيرهم من الشهداء الخالدين والأحياء ومئات الجرحى .
ضياع وبلبلة وارتباك ،هتاف أقل حملسة ، صراخ ثورة أشبه بالعويل ، الصوت ما بقى كتير يودّي، سخرية سوداء، مرارة وخيبة وأسى .
وزِد .
الفريق الآخر يحترف الرياء المعتّق، يرتكب المعاصي ويجيّرها ل 14 آذار، ينكّل بالدولة ويرمي بدمها على 14 آذار.
يخرق الحدود ويحوّلها جبنة ” غرويير ” بعدَّته وعديده، ويستعيذ بالله إذا تسللت عبر إحدى الفجوات فأرة من نصيرات الجيش السوري الحر!
يريد الحكومة في جيبه أو تحت مطرقته، بالإذن من المطرقة المتقاعدة للإستاذ نبيه، ويلقي بتهمة التعطيل على 14 آذار!
واللائحة تطول، وجمهور 14 آذار يريد أن يفهم ولا يفهم، يريد أن ينتفض ولا ينتفض !
معه حق ! ولكن …
هذه ال ” لكن ” ليست للتنفيس أو التدليس أو التيئيس .
أيها الأحباء .
في حسابات الشعوب والأمم ، وفي سجلات التاريخ ، يصعب قياس الآلام والأحزان والغضب والخيبات ، فثمة أمور لا تؤخذ دائماً غلابا أو اغتصابا أو بال ” هلا يابا ” ، ولو بحق .
لم يسقط الإتحاد السوفياتي ومعه حلف وارسو بضربة عسكرية من الولايات المتحدة الاميركية وحلف شمال الأطلسي ، بل سقط من الداخل . سقط بقوة الروح التي بثّها يوحنا بولس الثاني ، وبفعل المنطق ونبض الحقيقة .
لقد نجحت الديكتاتورية البولشيفية في بناء دولة فولاذية وجيش جرار وشعارات لا تقبل سؤالاّ أو جدالاً ، وبشعب جائع شبعُه ممنوع لأنه تَرَفٌ بورجوازي . ومع ذلك سقط في مواجهة ديموقراطيات تعترف بنقاط ضعفها وتسائل قادتها وتحاسبهم وتعالج نفسها بنفسها .
سقطت الديكتاتورية البولشفية كورق الخريف ، لأنها افتقدت الإيمان بالذات وحصرت الخلاص بعقائد باردة تلغي الله وتحوّل الإنسان آلة إنتاج وتعطّل إرادته لصالح تقديس القائد الملهَم والحزب المقدس . أليس هذا ما نشهد مثله اليوم عندنا ، مع فارق أن إلغاء الله عز وجل يتحول إلى محاولة لمصادرته وحصره بأشرف الناس ؟!
جوزف ستالين كان يعرف أنه مجرد ديكتاتور لا يختلف بشيء كثير عن نيرون أو هتلر.
وليونيد برينيف المريض الدائم كان يعرف أنه يشبه بلاده .
حتى جاء ميخائيل غورباتشوف، لِيَلكُزَ ، ومن دون جهد كبير ، حجرة واحدة في جدار برلين، فينهار الجدار ومعه الستار الحديدي حول أوروبا الشرقية .
لقد صبر الروس وسائر الشعوب التي أُريدَ تدجينُها على مضض ، بينما كان العالم الليبرالي ماضياً في بناء نفسه ، حتى هبّت نسائم الحرية لتلفّ الأرض شرقاً وغرباً .
هكذا هو الحال تقريباً يا شعب ثورة الارز ،
صبراً إلى حين ، ولا تقُل: عِيلَ صبري .
يكشف علم الأنتروبولوجيا أو علم الإنسان بمختلف فروعه ، وعلوم أخرى كعلم الكائنات الدقيقة وعلم آثار الحيوانات ، أنه لم يصمد على مر العصور ، إلا الكائنات والسلالات التي تمتعت بقدرة المقاومة والتكيّف ، فاستحقت الحياة ، بينما اختفت أضخم الكائنات التي عرفتها الكرة الارضية ، أي الديناصورات على أشكالها .
اليوم ثمة ديناصورات برسم السقوط عندنا في البلد ، وفي البلد الشقيق .
تقولون يا جمهور ثورة الأرز :
لا لتنازلات بعد المواقف المبدئية والتضحيات الغاليات ؟ معكم حق .
ولكن دَعُوا الأمور تأخذ مجراها ، وثقوا أنه ، وعلى رغم الدعاية الخادعة ، فإن 14 آذار في موقع قوة ، وأخصامها في موقع ضعف ، والأيام والاستحقاقات ستُثبت ذلك .
من أغرق نفسه وورّط نفسه وتكبّر وتجبّر ، يعرف جيداً أي منقلب سينقلب إذا أصرَّ على المعاندة والمكابرة .
يريد طوق نجاة ؟ حسناً . ثمة فارق بين أن يخرج من الرمال المتحركة ليبني سلام الشجعان، أو يخرج ليحاول الانقضاض من جديد ، على من مدّ له يد العون ، مع تعطل مفاعيل العون العوني !
يقول السيد المسيح : ” أحبوا مبغضيكم وباركوا لاعنيكم “، لكنه ينصح أيضاً بأن ” تكونوا حكماء كالحيات ” ! والسلام .
