فالأوضاع العربية لا تشبه في شيء موجات سقوط الديكتاتوريات وقيام الديموقراطيات التي شهدناها في العقود الاخيرة في جنوب أوروبا (اليونان واسبانيا والبرتغال في السبعينات) ثم في شرق اوروبا (مع تهاوي حلف وارسو)، وفي أميركا الجنوبية وجنوب شرقي آسيا. صحيحٌ أنّ المنظومات الاستبدادية العربية أصيبت بتعطّل كبير جراء الانفجارات الشعبية الهادرة ضدّها، لكنّ طغيان مثالات استبدادية على الجمهور المنتفض نفسه، وانقسامه بين من يبحث عن “مستبد مستنير” وبين من يبحث عن “مستبد عادل”، جاء ليتكامل مع استمرار قطبية “عسكر وإسلاميين”، ونهشها للحم الفكرة الدستورية الطريّ.
الكثير من المعلّقين وبعد أن ضاقت به مساحة الرجاء مصرياً وسورياً تراه يلتفت الى المختبر التونسي حيث إن الصراع بين الاسلاميين والعلمانيين، ورغم جسامة الاغتيالات التي طاولت علمانيين، ما زال يمكن الرهان عليه بأن يتحول الى ثنائية حزبية محاكية للنماذج التي تسيّر الديموقراطيات التمثيلية.
لكن هذا الملاذ التونسيّ للرجاء لا يمكن تحميله فوق طاقته. فالشعور الأقرب الى الواقع مع الدخول في “العام الرابع”، هو التشاؤم.
للتشاؤم عناوين كثيرة يمكن أن تختصر كلها في عبارة “كأنه لم نتعلم من تجاربنا في القرن الذي سبق”، ويمكن تفصيله في جملة من أنماط انكار التعددية السياسية والثقافية والدينية. فهذا يقول لك بأن الديموقراطية نادٍ مقفل للديموقراطيين فقط، وعلى غيرهم يقام الحدّ الاستبدادي بشكل مشروع. وذاك يتوسع في مفهوم الارهاب فيعتبر أنّ “الآخر هو الارهابي”. ثم هناك من يخرج على منظومة الممانعة التي يقودها علي خامنئي وبشار الأسد من دون أن يخرج على المنطلقات الأيديولوجية والذهنية التي يشاركها معها، في نظرته للصراعات التاريخية المزمنة التي تعيشها المنطقة. ولا تزال التعددية المناطقية واللغوية والإثنية أمور تنحى عن جادة النقاش السياسي هنا وهناك، وثمة من يستعين بالأزمة الراهنة في جنوب السودان في محاولة يائسة لتعويم مفاهيم الوحدة الوطنية الانصهارية.
مع ذلك، فإن فرادة التشاؤم أنه يمكن التفاؤل بصدده، بأنه يسمح ببلورة الاشكالات الحيوية. من هذه الاشكالات التي لا بد من إعادة بحثها هو أنه قبل ثلاث سنوات، وفي تونس بالتحديد، لم تكن الثورة فقط على “النظام” وانما على “الدولة” فقط، مرة لأن الفصل النظري بين الدولة والنظام لم يكن فكرة معاشة، ومرة لأن الدولة لا تؤمن ما هو مطلوب منها تقديمه في مخيلة الناس التي تقارن بينها وبين “الدول المتقدمة”، ومرة لأن “القوانين” التي تفرضها هذه الدولة الوضعية، وليس فقط تجاوزات النظام المستبد فيها لهذه القوانين، كانت أشكال من قمع الحيوية والحرية.
ونحن ندخل العام الرابع على “الربيع العربي” ما عاد جائزاً الاستمرار في تحنيط مفهوم الدولة. الثورات العربية لم تكن ضد “النظام” فقط. كانت ثورات “مع الدولة وضد الدولة” في آن. وهذا يعطينا اول الخيط للتدبر.