كعادته، أطلّ من عرين “القوات اللبنانية”، ليتوجّه إلى الجميع، حلفاءً وخصوماَ، مخاطباً رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلّف، محاكياً الشعب اللبناني، لا بل لامس ضمير اللبنانيين جميعاً، كل ذلك بهدوء أعصاب ولغة لا تشبه إلاّ الوضوح ولا تحتاج إلى عناء فهم أو تأويل ولا إلى مصادر للتوضيح. اعتمد أسلوب السهل الممتنع بتعابير منمّقة وصائبة إنما مختصرة ومفيدة من دون شك.
نعم، وضع النقاط فوق الحروف والحصان أمام العربة لا خلفها، كما الإصبع على الجرح. كان واضحاً في مقاربته ملف تشكيل الحكومة. هذا النمط من التواصل الصريح والمباشر لم يعتاده اللبنانيون من قبل باستثناء ظاهرة الرئيس الشهيد بشير الجميّل القصيرة، “فالحكيم” أثبت بما لا يقبل الشك ومن دون منازع أنه خاطف الأنفاس بجرأته المعهودة وآفاقه التي تتسع لكل الطروحات البنّاءة البعيدة عن المساومة والتزلّف ومراعاة الخواطر.
قال للحلفاء “كونوا أشداء” و”لا للدخول في حكومة اللاشيء …” وأوضح للخصوم أن بناء الأوطان لا يكون بالتفرّد أو الاستقواء، أو بإسقاط الحكومات زوراً أو تعطيلها، أو شن الحروب في الداخل والخارج أو استجرارها، إنما بالعودة إلى كنف الدولة والعيش الواحد الحقيقي. واعترض بحكمةٍ على المساواة بين الضحية والجلاّد.
أما لرئيس البلاد ورئيس الحكومة المكلّف قال: “تحمّلوا مسؤولياتكم التي منحكم إياها الدستور فالبلاد أمانة بين أيديكم”.
نعم، بجرأة الواثق أدلى بما يؤمن به لخلاص لبنان من محنة باتت تهدد المصير وتشكّل خطراً على الكيان والميثاق… قال كلمته ومشى، وذلك بحضور ممثلي كافة أقطاب “14 آذار” ونواب وشخصيات ونقباء إضافةً إلى حشدٍ من عائلات شهداء ثورة الأرز.
فلم يكد يُنهي “الحكيم” كلامه، الذي اعتُبر بمثابة خارطة طريق، حتى انهالت التحاليل في مقدمات نشرات الأخبار المسائية مترافقةً مع آراءٍ شتى ملأت صفحات الجرائد في اليوم التالي، ناهيك عن ردود فعلٍ مؤيدة أو معارضة عبر الإذاعات والمواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، فكثرت التوقعات وتنوّع الحديث بين مَن اعتبر خطاب الدكتور جعجع كلاماً تصعيدياً يؤشر إلى تفرّد “القوات” وخروجها من سرب “14 آذار” وذلك بعدم دخولها الحكومة العتيدة، وبين مَن راهن على رضوخ “القوات” في الربع الساعة الأخير لإرادةٍ خارجية معطوفة على تفاهم مع تيار المستقبل يؤدي بنهاية الأمر إلى دخول “حلبة الحكومة”، ومنهم أيضاً مَن ذهب أبعد من ذلك بتوقعاته مُعتبراً أن السقف العالي هو لتحسين نوعية حقائب “القوات” ورفع عددها، أما البعض القليل فجنح باتجاه موقع رئاسة الجمهورية ملمّحاً بأن جعجع يسعى لدخول ماراتون الرئاسة منذ اليوم.
فلكل هذه الأقلام، ومع احترامنا وتقديرنا لعصارة هذا الفكر النيّر ولهذه التوقعات وبمحبة الزملاء، نلفت إلى وجوب الإلمام بمعلومة ثابتة وأكيدة مفادها: “مَن يريد معرفة مستقبل القوات ودورها في الحياة السياسية الأصيلة والنظيفة، عليه أن لا يقرأ الفلك إنما أن يقرأ التاريخ حيث لا مساومة ولا مهادنة ولا شراء ذمم ولا بيع حصص، إنما تضحيات أجيال ودموع أمهات ودماء نديّة وأبطال سقطوا … لتبقى القضية بين أيادٍ وفيّة وهي كذلك … وتعرفون البقية …” والسلام.
مارون مارون
رئيس دائرة الإعلام الداخلي
في القوات اللبنانية
