Site icon Lebanese Forces Official Website

الحكومة وتراجعات الممانعة

 

ما يأمله اللبنانيون هو أن تبصر التشكيلة الحكومية المتوقعة للرئيس تمام سلام النور في أقرب وقت ممكن، كي تتولى حكومة أصيلة، دستورية وميثاقية، شؤون البلاد وإدارة هموم الناس الحياتية والاجتماعية والأمنية. وإن كانت جميع المؤشرات توحي بأن حجارة جدار العقبات الذي كان قائماً طيلة الأشهر التسعة الماضية بدأت تتهاوى، فالسؤال الذي طرح نفسه بقوة في الأيام القليلة الماضية هو “ما الذي تغيّر لكي تصبح ولادة الحكومة قاب قوسين أو أدنى، وما الذي كان يمنع ولادتها طيلة أشهر التكليف؟”.

لا بد من التذكير أولاً بأن قوى “14 آذار”، وفي مقدّمها تيار “المستقبل”، كانت تنادي بالشراكة الوطنية قولاً وفعلاً وهي أثبتت “حسن نياتها” في حكومتَي الرئيس فؤاد السنيورة والرئيس سعد الحريري، لكن منطق الاستقواء بالسلاح والتشبّث بالسلطة كان واضحاً في سلوك فريق “8 آذار”، فلم يتوانَ أولاً عن دفع الوزراء الشيعة الى الاستقالة من حكومة الرئيس السنيورة للتذرّع بفقدانها “الميثاقية”، ثم عن تقديم وزراء “الثلث المعطّل” استقالتهم من حكومة الرئيس الحريري ونسف حكومة “الوحدة الوطنية”، ثم اللجوء إلى القمصان السود لتمهيد الأرضية التي أوصلت الرئيس نجيب ميقاتي على رأس حكومة اللون الواحد، ضاربة عرض الحائط بتمثيل فريق “14 آذار” فيها.

ومنذ ذلك الحين، بدأت حدة الخطاب السياسي الذي انتهجه فريق “شكراً سوريا الأسد” تتصاعد، ولم يحاول هذا الفريق، “حزب الله” تحديداً، مرة واحدة “التواضع” أو خفض أصبع أمينه العام أو تليين لهجة رئيس كتلته النيابية تجاه مطلب حكومة جامعة، لا بل ذهب الأمر بهم إلى حد التهديد بأن الفرصة السانحة هي لمرة واحدة وجاءت عقب استقالة ميقاتي وتكليف الرئيس سلام، فعرض على فريق “14 آذار” المشاركة فيها على صيغة 9-9-6، وإلاّ…

أما اليوم، ومن دون الغوص كثيراً في تحليل المعطيات الإقليمية التي يعلم الجميع أن لها الدور الأول في حلّ “العقد” اللبنانية، لا بد من عرض موجز لشروط فريق الممانعة التي كانت تعوق تأليف الحكومة “السلامية” وكيفية تراجع هذا الفريق عنها، ما سهّل بالتالي احتمال ولادتها. ولعلّ ما حملته زيارة وزير خارجية الجمهورية الإسلامية في إيران محمد جواد ظريف لبيروت من دلائل ومؤشرات عبّر عنها أمام رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس الحكومة المكلّف تمام سلام، وتحدّث عنها أمام الإعلام، كافٍ للقول إن المناخ الإقليمي يحمل تغييرات لا بد وأنها تصبّ في خانة التهدئة والتسوية الإقليمية التي لا بد وأنها ستثمر لبنانياً ولادة حكومة كأول نتائج لهذا المناخ الجديد.

ولكي لا يُلام فريق السيادة والاستقلال على تراجعه عن مبدأ القبول بمشاركة “حزب الله” في الحكومة العتيدة قبل انسحابه من سوريا، يجب الإشارة بكل وضوح إلى أن “الممانعين” قدّموا تنازلات لم يكن يخطر ببال أحد، لا من فريق “14 آذار” ولا حتى ضمن الممانعين أنفسهم أنهم سيقدّمونها، فللتعداد وليس الحصر نبدأ بموضوع شكل الحكومة المقسّم على 8-8-8. فالأرقام ليست هي الموضوع بقدر ما يعنيه توزيعها. لقد تراجع “حزب الله” بعدما كان أصبع أمينه العام يرتفع في كل مرّة أطل فيها خلال الأشهر التسعة الماضية حتى كاد أن يخرق شاشة التلفزيون من شدة ما هوّل ونصح وتوعّد فريق “14 آذار” بقبول صيغة 9-9-6 لأن هذا جلّ ما يمكنه أن يقدّمه له، وكرّر المعزوفة نفسها رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد، وإلا “فحكومة ثانية من دونكم”.

أما في فذلكة الثلث المعطّل الذي كرّسه “حزب الله” بفعل الأمر الواقع بعد اتفاق الدوحة، فكان طيلة الأشهر الماضية كما كان منذ العام 2008، “الضمانة الوجودية” التي تذرّع الحزب بضرورة حصوله عليها في الحكومة، أي حكومة، لكي يبقى مديراً للعبة السياسية الحكومية، وعدم التفريط بمصالحه وبمنأى عن “مؤامرات” الفريق “الأميركي ـ الصهيوني”، وفجأة أصبحت التشكيلة الحكومية الموعودة خالية من هذا الثلث، لا ظاهرياً ولا بشكل مستتر، وهذا التراجع جاء على ما يبدو نتيجة إصرار فريق “14 آذار” ومن خلفه رئيسي الجمهورية والحكومة المكلّف على رفضها.

وفي المداورة، لقد اقتنع “حزب الله” (ظاهرياً على الأقل حتى الآن) بضرورة إعادة توزيع الحقائب الوزارية كافة ومن دون فرض شرط الحصول على الحقائب “السيادية” أو الخدماتية لصالحه أو لصالح المستفيد الأول والأخير منها، شريكه في الممانعة تيار النائب ميشال عون. وفي هذا الإطار بالتحديد، لم يعد بإمكان النائب عون المجاهرة بـ”كرمى عيون الصهر” لتشكيل الحكومة، فلم يُبدِ “حزب الله” أي معارضة لإصرار رئيسَي الجمهورية والحكومة المكلّف على الاحتفاظ بحق رفض أي اسم من الأسماء الاستفزازية التي يعرضها الفرقاء السياسيون للمشاركة في الحكومة، واللبيب من الإشارة يفهم.

كما أن تراجع هذا الفريق عن “إمساكه” بحقيبة وزارة الخارجية، التي كان ممثله فيها الوزير المفترض عدنان منصور، خير ممثل للسياسة الخارجة عن “إجماع” الدولة اللبنانية، هو أكثر من تراجع بسيط، لا سيما إذا أنيطت هذه الحقيبة كما يُشاع، بفريق رئيس الجمهورية.

أما العقدة الأبرز، أي الثلاثية الاستثنائية “الجيش، الشعب والمقاومة”، فيجري سبر أغوار “المنجد” و”لسان العرب” بحثاً في اللغة العربية “المطاطة” عن مفردات تحلّ مكان هذه الثلاثية التي سقطت بفعل تحوّل المقاومة عن دورها، وإدارة سلاحها إلى الداخل اللبناني أولاً، ثم الداخل السوري لاحقاً، لاستبدالها وإحلال “إعلان بعبدا” مكانها، وهو بالمناسبة الإعلان الذي حظي بموافقة جميع أعضاء لجنة الحوار الوطني، بمن فيهم “حزب الله” قبل أن يلحس الحزب توقيعه عنه، ويعلن رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” نعيه وتشييعه على اعتبار أنه “وُلد ميتاً”.

كل المبادئ التي تراجع عنها فريق الممانعة، مقابل تراجع فريق السيادة والاستقلال عن مبدأ مشاركة “حزب الله” في حكومة واحدة، تجعل الميزان يميل لصالح “14 آذار” من الناحية الحسابية، إذا شاركت في الحكومة، لكن الأمر لا يتوقف هنا، ففي سبيل استقرار البلد وحمايته من المخاطر الكثيرة التي لـ”حزب الله” الفضل الكبير في جلبها، لا يتوقف اللبنانيون عند الحسابات الضيقة ولا يأبهون بمن تراجع وبمن تصلّب في موقفه، فالغاية القصوى هي الاستقرار وحماية المواطن والبلد.

لكن لتبيان الحقيقة، ولقطع الطريق أمام تأويلات وتحليلات وسائل إعلام فريق الممانعة، كان لا بد من هذا السرد، لأن الاستمرار في التعمية والفجور، لن يجلب سوى المزيد من الويلات ويعيد بناء حجارة حائط العقبات ويشرّع البلد أمام المزيد من التفلّت الأمني الذي ضاق به اللبنانيون ذرعاً.
نقطة على السطر.

Exit mobile version