#adsense

كتاب مفتوح إلى الرئيس الشهيد رفيق الحريري

حجم الخط

 

أيها السيد المتربّع في عرشه الأبدي، في جوار الملائكة والصالحين،
أيها الحبيب الغالي، يا رفيق الأنبياء والقدّيسين،
أيها المقيم، أبداً، في قلوب الملايين.
في هذه الأيام الحزينة، كما في يوم استشهادك وغيابك، وفي كل يوم، حتى آخر الزمان، ستظلّ في قلوبنا، وقلوب الأجيال الآتية بعدنا، رمزاً للمحبة والخير والتفاني، لإسعاد بني وطنك وأمتك، والإنسانية جمعاء.

يوم بدأ نجمك يسطع في سماء لبنان، بل في السماوات العربية والعالمية، كان بصرك وبصيرتك يتطلعان، بحبٍ وشغفٍ، إلى هذا الوطن الصغير الذي كان ينتظرك، واستجبت إليه، ولم تكن تدري أنه سوف يعتصرك، حناناً وشوقاً، حتى يسيل دمك الطاهر البريء على أرصفة شوارع عاصمته، العاصمة التي وهبتها كل ما أوتيت من محبة ورغبة عارمة في العطاء… حتى النفس الأخير.

ويوم تشظّى وطنك الصغير أشلاءً، بفعل حرب عبثية مدمرة، جئت تضمد الجراح وتبلسم عذابات الآلاف من العائلات المعسرة والشباب التوّاق الى العلم والمعرفة، في وقت كنت تسعى، جاهداً إلى لملمة تلك الأشلاء، لكي يستعيد الوطن الصغير المنهك، وطنك، القدرة على الحياة والاستمرار.

وقد كنتُ شاهداً حياً على بعض أعمالك في هذا المجال:
1 في الثمانينات من القرن المنصرم (وكنتُ قائداً لجهاز أمن المطار في بيروت)، وبعد خروج جيش الاحتلال الاسرائيلي منها، بعد أن عاث فيها فساداً وتدميراً، جئت تصلح ما أفسد العدو، فردمت الحفر وانتزعت المتاريس وزفّتّ الشوارع وأضأتها، وغرست الأشجار ورتّبت الأرصفة، فإذا بشوارع بيروت العاصمة تعود إلى سابق زهوها ورونقها، وكان الفضل، في ذلك كلّه، لك وحدك، من دون سواك، فاستحقيت، يومذاك، تكريماً خاصاً بأن فتحنا لك صالون الشرف في المطار، أسوة بكبار المسافرين والزوار، وكان هذا التدبير استثناء لشخصك، لما قدّمته من جليل الأعمال لبيروت عاصمة الوطن الذي فديته بدمك.

2 وفي تلك الفترة ذاتها، قررت أن تنخرط في الشأن اللبناني المتأجج والمضطرم، فتسعى الى إطفاء الحرائق التي أشعلتها حروبنا العبثية المتمادية، فغامرت، مراراً عديدة، بالهبوط، بطائرتك الخاصة، في أرض المطار المقفر، معرضاً نفسك لنيران المتقاتلين، من كل صوب، وكنا نتلقفك، ونلبسك “السترة الواقية للرصاص”، حيث تدخل، بعدها، الى بيروت الملتهبة، ثم إلى بعبدا، في مفاوضات مكوكية بين الإخوة المتحاربين.

3 واستمر نشاطك هكذا، بلا كلل، طوال عقد الثمانينات، تنتقل من باريس إلى بيروت إلى دمشق وبالعكس، ومن بيروت الغربية إلى بيروت الشرقية، فبعبدا وبالعكس، تلتقي الفرقاء جميعاً، الموالين والمعارضين، السياسيين والمحاربين، تبذل من جهدك ومالك ما لا يبذله إلا المؤمن بربه ووطنه ورسالته، تحاور وتناقش وتنقل الحوارات، بين الأطراف جميعها، باذلاً كل جهد ممكن في سبيل أن يعود اللبنانيون إلى رشدهم، ويعود لبنان إلى صفائه ونقائه.

4 وفي مطلع التسعينات، وكان الحل قد نضج، بادرت الى عقد ميثاق صلح بين اللبنانيين، فكنت عراب اتفاق الطائف ومهندس اللقاء التاريخي بين أولئك الذين قضوا نحو عقدين من الزمن في صراع مرير، ومع ذلك، لم تغتر ولم تتبجّح، بل كنت تعتبر أي جهد، في سبيل المصالحة بين اللبنانيين، فرضاً واجباً على كل لبناني عاقل حكيم، وقد كنت ذلك العاقل الحكيم.

5 وعندما تسلّمت زمام الحكم في لبنان، سعيت لأن تعيد الى وطنك عافيته، وأن تعيد الى عاصمتك رونقها وازدهارها، فأعدت إعمار ما دمرته الحرب منها، حتى أضحت درة الشرق وجوهرة العواصم العربية بلا منازع. إلا أن سهام الحقد والحسد لم تفوّت فرصة إلا وحاولت بلوغ مأربها منك، تارة بتهمة الهدر وتبذير المال العام، وطوراً بتهمة الإسراف في مشاريع غير منتجة على حساب المشاريع المنتجة، وكان هؤلاء أنفسهم، يعرفون جيداً من كان (منهم) يسرق المال العام، يثرى على حساب الفقراء والمساكين في هذا البلد، هؤلاء الذين كنت أنت، بصمت وصبر وتقوى، معيلهم الوحيد.

6 وكان منتهى طموحك في الحكم، أن تنقذ وطنك من عثراته الاقتصادية، بعد أن رزح تحت وطأة “الدين العام” بسبب تدهور سعر صرف الليرة، وبعد ما أصاب ثروته العامه من نهب على أيدي العديد ممن تسلموا مسؤولية الحكم قبلك، فوضعت صداقاتك الدولية، كلها، في خدمة لبنان، وخصوصاً صداقتك الحميمة مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك، فابتدعتما، لخلاص لبنان اقتصادياً، ما سمي “باريس1” و”باريس2″، إلا أن ما واجه حكمك، في السنوات الأخيرة، من عراقيل اتسمت بالحقد والكره والكيدية، عطّل مخططاتك الإصلاحية، وجعل لبنان يخسر الفرصة الوحيدة، والنادرة، لإنقاذه.

7 وفي الفترة الأخيرة، وبعد خروجك من الحكم، صاروا يكيلون لك التهم الظالمة وغير البريئة، فاتهموك بوطنيتك وبقوميتك، ونصبوا فخاخاً، في الدوائر الانتخابية، لإضعافك، ولكنك بقيت شامخاً كالطود، لم تبادلهم الاتهامات، ولم تعدد، كما فعلوا، مثالبهم، بل احتفظت برصانتك وتعقلك وحلمك وحكمتك، فكنت الوحيد العاقل والحكيم والرصين والحليم بين مجموعة من السياسيين فَقَدَت الحكمة والحلم والرصانة جميعها.

8 – وكنت، يا سيدي، قومياً عربياً أصيلاً، هكذا نشأت، وعلى هذا كبرت، واستمررت حتى استشهادك، ولو كره المرجفون.
أَوَتَذكر، يا سيدي، يوم الخامس من كانون الأول عام 2003، يوم وقفت، في قاعة الأونيسكو ببيروت، أمام نخبة من رجال الفكر، في إحدى جلسات “مؤتمر الفكر العربي”، تحدّثهم عن وحدة الأمة العربية وضرورة الوحدة العربية؟ وتسمّرت، بدوري، أمام التلفاز، استمع إليك بإعجاب، بل بانشداه، ثم كتبت إليك رسالة تساءلت فيها:

من أين أتى هذا العصامي، رجل الأعمال الناجح، والسياسي الناجح، بهذه المقدرة، لكي يشرح لمحاوريه، وجلهم من كبار المثقفين في الفكر القومي، ضرورة قيام وحدة بشكل ما، بين الأقطار العربية، وذلك بأسلوب شيّق، علمي وعملي، يعجز كبار المنظرين للوحدة، في أيامنا هذه، عن أن يجاروه فيه؟

وتلقيت منك، بعد ذلك بأيام، رسالة جوابية جاء فيها تأكيد صريح على “ثوابتك القومية” التي “تتمسك بها وتعتز، وتعتبرها أساس خلاص الأمة ونهضتها”.

وبعد، أَوَيُمكن الظن، ولو للحظة، بأن الثروة والسلطة قد طغتا على مبادئك القومية وغيّرتا من اتجاهاتك الوحدوية؟
أقول هذا برسم أولئك الذين لم يتورعوا عن اتهام رفيق الحريري بصدق قوميته ونقاء عروبته، لعلهم يخجلون.

9 وليلة رحيلك يا سيدي (مساء الأحد في 13/2/2005)، وكانت رواية “زيت الزكاة” قد ردّدتها مختلف وسائل الاعلام، مدلّلة بذلك على مقدار غباء الحكم في بلدنا، ليلتها، اتصلت بك هاتفياً، مستنكراً تلك المحاولة، الرخيصة والساذجة والمفضوحة، للإساءة إليك، فضحكت ملياً، وشكرتني، مدللاً، بذلك، على ترفّع، عن مثل هذه الصغائر، لا مثيل له. وكانت المرة الأخيرة، في حياتي، التي أسمع بها صوتك، وما أصعب ذلك.

10 وصباح رحيلك يا سيدي (الاثنين 14/2)، قرأت حديثك لجريدة “السفير” حيث قلت، بعبارات لا لبس فيها ولا إبهام: “أنا لست في الحكم، فمن الطبيعي، والحالة هذه، أن أكون في المعارضة، ولكن لي معارضتي وكياني، وأنا أرفض الالتحاق بأحد. وعندما اندفع لقاء البريستول الأخير في خطابه، سارعت إلى التشديد على الطائف كسقف سياسي ألتزم به في مسألة الوجود السوري والصلاحيات الدستورية”، وتابعت: “المشكلة في هذه السلطة أنك، إذا اعترضت على أدائها وسلوكها، تسارع إلى التشكيك في خياراتك الوطنية والقومية” ثم تستطرد: “أنا قومي عربي منذ عشرات السنين، ولن ألجأ إلى تغيير قناعاتي الآن، في عمر الستين، والأكيد أنني لست بحاجة إلى شهادة من أحد في هذا المجال، وليس أنا مَن يُسأل عن خياراته عندما أبادر، مقتنعاً، إلى حفظ مقعد نيابي للمقاومة في بيروت”، ثم ترفض المعادلة: “عليك أن تكون معنا، وإلا فأنت ضدّ الخط العربي”. لقد كنتَ، كما عهدناك دائماً، ذلك اللبناني العربي الذي يرى في مصلحة بلاده امتداداً لمصلحة أمته.

11 وفي الساعة الثانية عشرة وخمس وخمسين دقيقة من ذلك اليوم المشؤوم (14/2) اغتالتك الأيادي الآثمة. لم نصدق الخبر في البدء، إلا أن تكذيبه كان مستحيلاً، فكانت الفاجعة.

رحلت، يا سيدي، وأنت في ريعان نشاطك، وأوج عطائك، تحاول أن تجسّد الحلم الذي وعدتنا به، حقيقة، ولكن القدر كان أسرع.
لقد كنت تحمل لوطنك مشروعاً طموحاً، اقتصادياً وسياسياً، إلا أن الأيدي الحاقدة حالت دون تنفيذك لهذا المشروع خلال سنوات حكمك. وما أن عصفت بالوطن رياح التشرذم والتشتّت والنزاعات، في الآونة الأخيرة، حتى نأيت بنفسك عن الخصومات. ورغم ما تعرّضت له من اتهامات، كنت مترفعاً عن الصغائر، كعادتك، تتحلّى بالصبر والعقل والحلم والحكمة، فكنت الوحيد الصابر والعاقل والحليم والحكيم، في هذا الوطن، في خضم الجنون الذي أحاق بسياسيّيه، كل سياسسيّيه، في الآونة الأخيرة.

ويوم استشهادك، يا سيدي، تحقّقت المعجزة التي عجز الوطن عن تحقيقها طوال عقود، إذ اجتمع، في دارتك، لوداعك، كل أبناء الوطن، بكل طوائفه ومذاهبه وفئاته، وها هم يؤمون اليوم، ضريحك، يضيئون الشموع، ويضعون الزهور، ويتلو كل منهم صلاته عليك بحسب طقوسه، في وحدة لا أروع ولا أبدع.

وسار الجميع، خلف نعشك، إلى مثواك الأخير، إلى جانب ممثلي دول العالم التي عرفتك رجل خير وسلام ومودة، إلى جانب رجل الدولة الكبير. لقد جمع استشهادك العالم كله في مساحة صغيرة من الكون هي لبنان، وفي قلب أكبر من الكون هو قلبك.

لقد كنت، يا سيدي، في حياتك واستشهادك، رجل محبة ووئام، ونرجو أن يستعيد دمك الزكي، الذي سفك ظلماً، تلك الفئة القليلة، الضالة والمضللة، التي أساءت إليك، وتجنّت عليك، في أيامك الأخيرة، وفي يقيني أنك ستغمرها، من عليائك، في جنة الخلد، بعينيك الوديعتين المتألّقتين بالتسامح الرحب، وبقلبك الكبير الطافح بالمحبة، تماماً كما عهدناها في حياتك.

واليوم، إذ تلتئم المحكمة الدولية لمحاكمة الجناة الذين اغتالوك، نرجو أن تطال، في عدالتها، ليس أولئك المجرمين فحسب، بل كل من حرّضهم وشجعهم وآزرهم في ارتكابهم لجريمة العصر تلك، وقد أضحوا معروفين من العالم أجمع، وإن لم يعاقب هؤلاء فمعنى ذلك أن العزّة الإلهية قد تخلّت عن أقدس ما أورثتناه في هذه الدنيا: عدالتها.
وسلام عليك، يا سيدي، يوم ولدت، ويوم استشهدت، ويوم تُبعث حياً.
() لواء ركن متقاعد

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل