“إن أعظم الشرور في التاريخ لم يرتكبها وحوش،
بل بشر عاديون يخضعون لأوامر من مرجعيتهم،
وبالتالي فهم كانوا ينفذون الأوامر من دون ندم
على أساس أنه الخيار العادي”.
(هانّا أرندت)
“عن محاكمة أدولف إيخمان”
اغتيال رفيق الحريري كان من هذا النوع، اغتيال عقائدي مبني على رؤيا عقائدية تتعلّق بدور رفيق الحريري السياسي والاجتماعي وتأثيره على أهداف مشروع ولاية الفقيه، يعني أن الاغتيال كان سياسياً بامتياز وقد جرى البحث بمسوغاته وتداعياته ملياً في مركز القرار العقائدي السياسي، وصدرت به فتوى واضحة قبل التنفيذ.
كثير من الترّهات الإعلامية كان قد رماها “حزب الله” وإعلامه وقياداته حول قصص الود بين حسن نصر الله ورفيق الحريري، وعن التزام الحريري بالمقاومة، ولم يتورع حسن نصر الله عن الذهاب للتعزية، ولولا الحذر الأمني لكان مشى بالجنازة! لكن ذلك كله لم يَعْدُ كونه امتداداً لشريط أبو عدس.
على عكس ما يظن معظم الناس، فلم يكن “حزب الله” منزعجاً أو حتى مهموماً من رد الفعل المنطقي باتهام النظام السوري بعملية الاغتيال. فقد كانت هذه النقطة درست بعناية قبل التنفيذ، وقد أقول بأن اتهام النظام السوري كان من الفوائد الجانبية لـ”حزب الله” ولإيران من عملية الاغتيال. فقد بشار الأسد بعد العملية موقع الشريك المضارب مع إيران وأتباعها، وهو الذي كان يملك قبلها أكثر من نصف الأسهم في لبنان، ليتحوّل إلى مجرد مساهم ثانوي بعد خروج قواته، وبعد ازدياد عزلته الدولية.
على الرغم من الشكوك التي ترددت أحاديثها عن استحالة قيام النظام السوري بعملية بحجم اغتيال رفيق الحريري من دون معرفة مخابرات “حزب الله”، لكن قوى آذار تجاوزت تلك الشكوك سعياً وراء الاستقرار من خلال تحييد الشريك الوطني الإلزامي وتشجيعه على المضي في منطق التعاون مع الشركاء، وبالتالي دفعه إلى التخلي عن شريكه المتهم.
لست أدري اليوم إن كان ذلك غباءً أو تقية من قبل قوى آذار التي كان يقودها وليد جنبلاط، العالم بخبايا الأمور، وهو الذي قال يوماً إن متفجرة مروان حمادة كان قد تم تحضيرها في مكان ما في الضاحية الجنوبية، وسمّى “حزب الله” بحزب الغدر.
لكن المؤكد هو أن سعد الحريري كان يرفض حتى فكرة اتهام “حزب الله” لأنه كان مقتنعاً بمناقبية حسن نصر الله وبأن أخلاقه لم تكن لتسمح له بأن “يغدر” برفيق الحريري.
كانت أيام طفولة سياسية، فلم يكن وقتها بعضنا يفهم معنى العقيدة وتأثيرها على عقل بعض البشر، وكيف أن القاتل العقائدي له أسباب أخلاقية لا علاقة لها بالمعايير الإنسانية العادية.
لقد شكل رفيق الحريري عائقاً حقيقياً في وجه مشروع ولاية الفقيه وهوالأممي الطابع العابر للحدود والذي يهدف إلى إحداث تغيير جذري في السلوكيات الاجتماعية والسياسية في المنطقة. فمن ناحية لبنان فقد كان مشروع تثبيت أركان الدولة وإعادة رسم ملامحها السيادية والاقتصادية والديبلوماسية، عائقاً خطيراً في وجه ضم البلد إلى مشروع اسطوري، لا يملك شيئاً من معالم الدولة والاقتصاد غير عنوان غامض اسمه “المقاومة”. ولهذا السبب بالذات فقد كان الود معدوماً ما بين “حزب الله” ورفيق الحريري خلال كل سنوات وجوده في الحكم. حتى مبدأ تشريع المقاومة سنة نسبه الحزب إلى وزيرَي خارجية إيران وسوريا، وتم تجاهل دور الحريري بالكامل في أدبيات المحازبين (راجع كتاب نعيم قاسم عن “حزب الله”).
أما من الناحية الأممية فإن مشروع ولاية الفقيه قائم على أساس الصراع بين الخير والشر وبين الثقافات وعلى أساس اعتبار أميركا الشيطان الأكبر، وعلى أساس أن حرسه الثوري هو جزء من صراع أممي. أما نهج رفيق الحريري فهو ببساطة يرتكز على التفاهم والحوار والاستقرار، وأن لا شيطان أكبر ولا ملاك أكبر، لأن كل شيء هو نسبي.
في شهر شباط ، اجتمعنا كوفد من كتلة نواب “المستقبل” مع الأمين العام لـ”حزب الله” في مقره في حارة حريك. استغرق نصر الله يومها بحفلة من الاستهزاء بالمخابرات السورية معتبراً أنها “ليست بالكفاءة اللازمة للتخطيط والتنفيذ في عملية بحجم اغتيال رفيق الحريري”، واستشهد أيضاً بنكتة كان قد أطلقها النائب باسم الشاب حول المخابرات السورية، بما أنه كان حاضراً في ذلك الاجتماع. في الوقت نفسه أكد لنا نصر الله أنه موافق من دون تحفظ على المحكمة الدولية، ونصحنا بعدم اتهام سوريا لأن هناك احتمال خمسة في المئة بأن لا تكون هي التي ارتكبت الجريمة.
مع ذلك فقد كانت أجهزة الحزب النيابية والوزارية والاستخباراتية، تضع كل العراقيل في وجه إنشاء المحكمة وفي وجه لجنة التحقيق، على أمل أن تبقى الاتهامات محصورة بالظن بالنظام السوري، من دون أن تصل إلى قرائن كافية للوصول إلى المحاكمة.
الحد الفاصل بين الشك واليقين بالنسبة الى “حزب الله”، كان في المعطيات التي وفرها الشهيد وسام عيد للتحقيق، وفيها القرائن التي وجهت لأول مرة أصابع الاتهام إلى عناصر من “حزب الله” بارتكاب الجريمة. يومها تبدد شك جهاز القتل في الحزب بإمكانية كشف الجريمة بيقين أن المحكمة ستعلن قريباً أسماء المتهمين بتنفيذها، وقد كانت النتيجة أن اغتيل وسام عيد عقاباً له على تجرُّئه على كشف القرائن، وسعياً الى تحذير الشهود من أن مصيراً مماثلاً ينتظرهم إن هم ساهموا في كشف الجريمة.
في الوقت نفسه بدأ التهديد بالفتنة المذهبية من قبل “حزب الله” بالذات، إن استكمل مسار المحكمة. وبدأ الحديث عن مخطط إسرائيلي يسيّر القضاة ولجنة التحقيق.
لم يكن أحد ينتظر من حسن نصر الله أن يسلّم المتهمين إلى العدالة، ويمكنني القول إن هذا الحزب تخطى اليوم مسألة المحكمة بأشواط من خلال الدخول إلى سوريا وخوضه هناك معركة مصيرية تعني حياة أو موت مشروعه العقائدي، الذي من أجله جرى اغتيال رفيق الحريري وكل رفاقه الذين لحقوه.
هذا لا يعني أن المحكمة أصبحت مسألة ثانوية، فالواقع هو أنه من الضرورة أن يتم عرض الوقائع التي تثبت إدانة المتهمين وفضح المتورطين والتشهير بالمخططين وبالذين أصدروا الأوامر، لتنهي معها مهزلة عشناها على مدى عقود من حياتنا يتسابق فيها القتلة والمجرمون في الحديث عن مكارم الأخلاق والعدل وسلطة القانون.
الواقع كما أراه اليوم هو أن مشروع ولاية الفقيه رأى في رفيق الحريري عقبة مستحيلة أمام مشروع التسلل المتدرج إلى لبنان من خلال أحبولة المقاومة. انتظر حتى أتى الوقت المناسب، فاستدرج أحمق اسمه بشار الاسد إلى ساحة الجريمة وجعله شريكاً فيها، وكان اتهام النظام السوري فوائد كبرى لـ”حزب الله” ولإيران، خصوصاً بعد خروج القوات السورية وبالتالي خلو الساحة الأمنية ليتفرد الحزب في حكم لبنان أمنياً من دون شراكة أو منافسة. لقد دخل الشك على عقل بشار الاسد متأخراً بخصوص هذا الفخ، وأظن أن تسريبات ميشال سماحة لمجلة “دير شبيغل” حول تورط “حزب الله” بالجريمة كانت نوعاً من الانتقام أو التحذير من قبل النظام السوري ضد “حزب الله”. كما أن العارفين بتفاصيل الاتفاقات السعودية – السورية الفاشلة يؤكدون أن بشار الأسد كان يسعى من خلال الاتفاق ليتخلص من الهيمنة الإيرانية، وربما إلى رد الطعنة لـ”حزب الله”.
لكن شيئاً ما حدث دفع بشار الأسد إلى التراجع عما اتفق عليه مع الملك عبد الله، فلا أظن أن ولاية الفقيه كانت ستأخذه شريكاً إلا إذا كان رهينة في يدها.
اليوم أصبح بشار الأسد بعد الثورة في سوريا جثةً سياسية، و”حزب الله” يتساقط قتلى عقيدته هناك لمجرد تحسين شروط التسوية الآتية لإيران، لكن المحكمة ستفضح سقوطه الأخلاقي وتنهي هالة القداسة عنه ليصبح مجرد عصابة للجريمة العقائدية.
() عضو المكتب السياسي في تيار “المستقبل”