#adsense

التسويات… أسوأ ما في السياسة

حجم الخط

الكلام في لبنان عن تسويات لا عن حلول، أي «ترقيع» الأمور بالتي هي أحسن، يُبقي الأزمة تحت الرماد بانتظار تطوّرٍ ما أو تغيُّرٍ ما ينقل البلاد مجدّداً من التبريد إلى التسخين. مناسبة هذا الكلام تأليف الحكومة الذي قطع شوطاً كبيراً يؤشّر إلى وجود قوّة خارجية «خفيّة» تدفع في هذا الاتّجاه، أو إرادة مشتركة بتأليفها، على أثر شعور «حزب الله» بجدّية الحكومة الحيادية، وخشية «المستقبل» من الفراغ الرئاسي واستلام الحكومة المستقيلة صلاحيات الرئاسة الأولى.

هذا المنطق، أي وجود قوّة خارجية أو تقاطع إرادات مشتركة، يستتبع تنازلات وهمية وأخرى فعلية لقيام حكومة كان متعذّراً تأليفها قبل أسبوع فقط. والمنطق نفسه يقول إنّ الأسباب الموجبة التي حرّكت هذا الملف ستدفع الفريقين إلى تجاوز بعض الأمور التي كانت من المحرّمات من قبيل تمسّك “حزب الله” بالثلث المعطّل وثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة” ورفضه “إعلان بعبدا”، واشتراط 14 آذار انسحاب الحزب من سوريا قبل الكلام عن أيّ مساكنة حكومية.

ولكنّ الفارق بين 8 و14 آذار أنّ الفريق الأوّل أقدم على تنازلات شكلية، حيث أن لا الإقرار بـ”إعلان بعبدا” سيدفعه إلى الانسحاب من سوريا، ولا تجاوز الثلاثية يعني جدولة تسليم سلاحه إلى الدولة، فيما الفريق الثاني لم يحصِّل سوى مبادئ عامّة لا تبدّل شيئاً في الوقائع على الأرض.

ويبدو أنّ تيار “المستقبل” المُحرج في الذهاب إلى التسوية من دون شريكه المسيحي في 14 آذار، نجح في إقناع هذا الفريق بالمشاركة في حال انتزاع تضمين البيان الوزاري “إعلان بعبدا” وعدم الإتيان على ذِكر المقاومة لا من قريب ولا من بعيد إسقاطاً لمقولة أنّ اللغة العربية غنيّة بالتعابير والمصطلحات.

ولهذه الغاية تسارعت الاجتمعات بين مكوّنات 14 آذار، ولا سيّما المسيحية منها، حيث أزالَ التقاطع السياسي في مسألة التأليف ذيولَ ما تبقّى من آثار القانون الأرثوذكسي التي وصلت إلى حدّ القطيعة السياسية، فاستعادت العلاقة حرارتها بين القوات اللبنانية والمستقلّين الذين عقدوا اجتماعاً تنسيقياً في معراب خلصوا بنتيجته إلى اعتبار التسوية الحكومية، إن حصلت وفق الشروط التي رفعتها، تهدف إلى تحسين شروط المواجهة السياسية.

فالمواجهة المفتوحة مع “حزب الله” وسلاحه لن تتوقف بمجرد قيام حكومة، إنّما طبيعة المرحلة وغياب الاهتمام الدولي-الإقليمي بالقضية اللبنانية واستحالة اجتراح حلول جذرية، تفترض البحث عن المعطيات التي تحسّن شروط المواجهة غير المتوافرة إلّا بواسطة الشرعية وأدواتها، طالما إنّ 14 آذار متمسكة بخياراتها السلمية، خصوصاً أنّ هذه المواجهة نجحت في ربط نزاع مع الحزب منذ العام 2005، فضلاً عن أنّ الاغتيالات المتتالية لقياداتها دليل على نجاح هذه الاستراتيجية.

وتقول مصادر مشاركة في هذه اللقاءات إنّ “حزب الله” متفوّق اليوم على 14 آذار على مستويين: بحكم الأمر الواقع وإمساكه بالسلطة التنفيذية، الأمر الذي لم يكن قائماً قبل إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، فيما كان التوازن بين الشرعية واللاشرعية في صلب استراتيجية المواجهة المعتمدة من قبل الحركة الاستقلالية، وبالتالي المطروح هو العودة إلى هذه الاستراتيجية مع تحسين شروط المواجهة عبر إسقاط البند المتصل بالثلث المعطل الذي حصل عليه الحزب في الدوحة، كما إسقاط كلّ ما يتصل بالمقاومة في البيان الوزاري، في خطوة هي الأولى من نوعها منذ العام 2005.

وتعتبر المصادر أنّ المساكنة مع “حزب الله” في حكومة واحدة لا تعني تغطية قتاله في سوريا، ووجودها حول طاولة مجلس الوزراء هو لتحصين الموقف الرسمي الذي سيتعزّز ويشكّل دعامة أساسية لموقف رئيس الجمهورية، فضلاً عن أنّ أيّ عمل إرهابي يستهدف لبنان سيتمّ تحميل الحزب مسؤوليته نتيجة نقلِه الأزمة السورية إلى لبنان.

وترى المصادر أنّ المجتمعَين الدولي والعربي كما المعارضة السورية يعرفون جيّداً الواقع الانقسامي في لبنان، وأنّ قيام حكومة جامعة لا يعني الموافقة على سياسات “حزب الله” بقدر ربط نزاع داخليّ معه والاستفادة من التنازلات التي أقدم عليها والتي رفعت كلّ الغطاء الرسميّ عنه.

وقد يكون ما تقدّم صحيحاً في ظلّ غياب البدائل، إلّا أنّ المشكلة مرَدُّها إلى سببين: التسوية الجزئية تمكّن “حزب الله” من الانقلاب عليها في اللحظة التي يشعر فيها أنّ ميزان القوى عاد وانقلب لمصلحته.

والسبب الآخر يتّصل بأنّ مزاج الناس بات وبنتيجة حدّة الصراع والتراكمات يرفض الحلول الترقيعية، والأهمّ يرفض تصوّر 8 و14 آذار حول طاولة واحدة، ويطمح لحلول جذرية لا يمكن الحصول عليها إلّا بعد خراب البصرة… وإلّا “تيتي تيتي…”

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل