|
|
تنطلق المحكمة الدولية في لاهاي على إيقاع الإنفجارات المستمرّة في لبنان، بالرغم من اختلاف الأسباب والمسببين.. إلا أن الضحايا الأبرياء لا يزالون القاسم المشترك بين كل الضربات الإرهابية التي تناولت مختلف المناطق اللبنانية والأفرقاء.
وبالرغم من أن الجلسة الأولى للمحكمة الدولية نكأت جِراح من فَقَدَ عزيزاً في هذا التفجير الزلزال، من خلال التفاصيل التي سردها المحققون بُغية عرض الدلائل بشكل قاطع لا يقبل الشك، ونكأت جِراح شعب فَقَدَ زعيماً صاحب رؤية وطنية واقتصادية واعدة، واجتماعية تنموية وعلاقات سياسية دولية، لطالما وظّفها في المصلحة الوطنية العُليا، من حيث وحدة الشعب، وصون المقاومة وحماية مقوّمات الوطن السيّد الحرّ المستقل، فضلاً عن دعمه المُطلق لمؤسسات الدولة بغضّ النظر عمّن يُديرها.
إلّا أن انطلاق هذه المحكمة عنى للكثيرين أن زمن الإفلات من العقاب قد ولّى، وبدأ زمن العدالة!
وكما أن تشكيل حكومة جديدة لن يوقف مسلسل التفجيرات بشكل فوري، فإن بدء المحاكمة لن يوقف مخططات الإغتيال المستمرّة، إلّا أن عودة مؤسسات الدولة للإمساك بزمام الأمور بشكل فاعل، وليس فقط لتصريف الأعمال، وضمن إطار جامع، ولو بحدِّه الأدنى، ليكسر الجليد بين الشركاء في الوطن ويوحِّد الجهود في مواجهة الخطر المُحدق، والآتي من التفجيرات والإغتيالات على حدٍّ سواء، على أمل أن يعي الجميع ضرورة تحييد لبنان عن نيران الفِتَن التي تنتشر في المنطقة كالنار في الهشيم، وتحرق الأخضر واليابس، دون تفرقة أو رحمة..
على خطٍّ آخر، فإن انطلاق المحكمة قد لا يعني وقف مخطط الإغتيالات بشكل فوري، إلّا أنه يعني بالتأكيد أنه مهما طال الوقت فإن الحقيقة ستنجلي، ومهما كانت الجريمة مُحكَمَة، إلّا أنه لا بدّ من اختراق ثغراتها، والكشف عن مرتكبيها، ومحاكمتهم ولو غيابياً بالوقت الحاضر.
إن شعور اللبنانيين على مدى التسع سنوات الماضية بالعجز عن مواجهة آلة الموت وفقدان الإيمان باقتراب النهاية، ترك الساحة مكشوفة للإجرام والإرهاب دون رادع، إلى أن دقّت ساعة العدالة، فعاد الأمل بإمكانية وضع حدّ لهذه المخططات الجهنمية، أو على الأقل كشف المخططين والمرتكبين، وحبّذا لو يتم اعتقالهم لتأخذ العدالة مجراها الطبيعي ويلجأوا للدفاع عن أنفسهم، بالقرائن كما تمّت إدانتهم، خاصة أن المعايير المعتمدة في المحكمة أثبتت منذ أن تمّ الإفراج عن الضباط الأربعة، وحتى الأمس، مع كل الدلائل التي تمّ الكشف عنها ولا تزال، أن الإتهام وضع على أُسس مهنية وموضوعية خلافاً لكل ما أُشيع من إنحياز، وكل الشكوك التي بُثّت لتضليل الرأي العام وتغطية المجرمين.
إن وطناً تغيب عنه العدالة ومؤسسات الدولة، يتحوّل إلى غابة يحكمها الأقوى، وليس الأكثر حِكمة!
وبالأمس عادت العدالة إلى لبنان وعلى أمل أن يعود نبض الحياة إلى مؤسسات الدولة، حتى يستعيد اللبنانيون وطناً افتقدوه، وأمناً هم توّاقون إليه، وعيشاً مشتركاً أثبتت السنوات أنه قدر لا مفرّ منه!