كتب عبد الكريم أبو النصر في صحيفة “النهار”:
مسؤول دولي بارز معني مباشرة بالملف السوري رأى في جلسة خاصة في باريس “ان الرئيس بشار الأسد يخوض في وقت واحد حرباً داخلية مدمرة خاسرة ضد شعبه المحتج ومعركة سياسية وديبلوماسية خاسرة أيضاً في تعامله مع الجهود الدولية والإقليمية المبذولة لحل الأزمة السورية. وهذا الواقع مرده الى الأسباب الرئيسية الثلاثة الآتية:
أولاً – لن يستطيع الأسد أن يتكلم في أي عملية تفاوضية، ضمن إطار المؤتمر الدولي أو خارجه، بإسم الشعب السوري المحتج لأنه يرفض الاعتراف أساساً بوجود شعب محتج يتمسك بمطالب وحقوق مشروعة تدافع عنها المعارضة وتلقى دعماً دولياً وإقليمياً واسعاً. فالمشروع السياسي الوحيد المطروح لحل الأزمة والذي تدعمه وتطالب بتنفيذه كاملاً كل الدول الأجنبية والإقليمية المعنية بمصير سوريا باستثناء إيران هو بيان جنيف المؤرخ 30 حزيران 2012 والذي ينص على انتقال السلطة الى نظام جديد “يحقق التطلعات المشروعة للشعب السوري ويسمح له بتقرير مصيره بنفسه بطريقة ديموقراطية ومستقلة” ويدعو الى قيام “دولة ديموقراطية تعددية”، مما يتناقض كلياً مع الوضع القائم في ظل حكم الأسد.
ثانياً – لن يستطيع الأسد أن يتكلم في أي عملية تفاوضية بإسم الملايين من السوريين المشرّدين في الداخل والخارج وبإسم أهالي الضحايا وبإسم السوريين في غالبيتهم الواسعة الذين جعلتهم حرب النظام يواجهون معاناة شديدة القسوة وغير مسبوقة وفي مختلف المجالات ودماراً وخراباً هائلين. ويظهر النظام عدم اكتراث بأوضاع السوريين عموماً إذ انه يتصرف على أساس انه منتصر وهو ليس منتصراً وعلى أساس انه قادر على الحسم وهو عاجز عن الحسم كما يتصرف على أساس ان العالم يجب أن يخضع لشروطه وهو مطلب مستحيل التحقيق. وهذه المواقف تؤدي الى إطالة أمل الحرب وتزيد عمق مأساة الشعب وفداحتها.
ثالثاً – يريد الأسد أن يتفاوض مع الدول المؤثرة بإسم نظام إنتهى بعدما فشل في معالجة الأزمة وألحق ببلده الكوارث، وهو يقدم عرضاً سياسياً وحيداً يتضمن مطالبتها بدعم بقائه في السلطة والحفاظ على نظامه بتركيبته وطبيعته وتوجهاته الراهنة. وقد حددت الدول المؤثرة بما فيها روسيا سلفاً موقفها من هذا العرض إذ انها ترفضه وتتمسك بتنفيذ بيان جنيف الذي ينهي حكم الأسد.
وأفاد المسؤول الدولي أن الموقف الحقيقي لنظام الأسد من عملية التفاوض الدولية – الإقليمية المستندة الى بيان جنيف يتضمن العناصر الأساسية الآتية:
أولاً – الرفض الكامل لمضمون بيان جنيف إذ ان النظام يعارض فكرة المرحلة الإنتقالية وتشكيل هيئة حكم إنتقالية مع ممثلي المعارضة تمارس الصلاحيات التنفيذية الكاملة وتخضع لها الأجهزة العسكرية والأمنية تمهيداً لقيام نظام جديد ديموقراطي.
ثانياً – رفض تخلي الأسد عن صلاحياته لمصلحة هيئة الحكم الإنتقالية بل رفض مناقشة مصير الرئيس السوري في أي مفاوضات مقبلة. ويصّر النظام على انه الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري مما يتناقض مع مواقف الدول المؤثرة ومع بيان جنيف الذي يمنح المعارضة صفة تمثيلية شرعية ويتعامل معها ضمناً على أساس انها تمثل الشعب المحتج وان موافقتها على طريقة إدارة المرحلة الإنتقالية ونقل السلطة الى نظام جديد ضرورية وأساسية لحل الأزمة.
ثالثاً – رفض اضطلاع الممثل الدولي – الإقليمي بمهمة إدارة عملية الحوار والتفاوض بين الأفرقاء السوريين من أجل حل الأزمة وتمسكه بأن يقود الأسد هذه العملية من أجل محاولة تكريس بقاء نظامه ضد إرادة الآخرين في الداخل والخارج.
رابعاً – تمسك النظام بموقفه القائل ان المعارضين والثوار ليست لهم أي صفة تمثيلية وإنهم مجموعة من “الإرهابيين والتكفيريين والمتآمرين” وان عليهم الرضوخ للقيادة السورية وتنفيذ شروطها والتخلي عن المطالبة برحيل الأسد وقيام نظام جديد إستناداً الى نص بيان جنيف.
واضاف المسؤول الدولي ان نظام الأسد يختصر موقفه من العملية التفاوضية بقوله “ان الأولوية في أي مفاوضات يجب أن تكون لمكافحة الإرهاب ولتعاون كل الدول والأطراف مع النظام من أجل القضاء على الإرهابيين. وهذا يعني ان المطلوب من المعارضين والثوار إلقاء السلاح والإستسلام للنظام والمطلوب من سائر الدول الموافقة على بقاء النظام وإسقاط بيان جنيف. وهذا المطلب مرفوض لدى الدول المعنية بالأزمة السورية باستثناء إيران. والخلاصة ان النظام يخوض معارك خاسرة في كل الجبهات ويدور في حلقة جهنمية مفرغة وسوريا تتفكك وتتفتت دولة ومؤسسات ومجتمعاً والمأساة ليست لها نهاية قريبة”.