فرئيس الحكومة الذي نقل لبنان من مرحلة الحرب الأهلية الى مرحلة الإعمار والحداثة كان هدفا لضرب مستقبل لبنان. تآمروا عليه، راقبوه، ولاحقوه، عاينوا كل الأماكن التي كان يتردد إليها، ثم فجّروه من دون تردّد.. اعتقدوا أنهم سيفلتون من العدالة لكنّهم لا بدّ أن يشهدوا على العدالة تلاحقهم، تلك العدالة الدولية التي لم تنتظر “300 سنة” بل تسع سنوات، ولم تكن بحاجة لغير الأدلة الدامغة والوثائق والمستندات والشهود.. لو كانوا يعلمون، وهم كذلك وهي الجريمة الكبرى.
الشعب اللبناني يريد أن يعرف الحقيقة، وما انطلاق جلسات المحكمة إلا إصرارا على إرادتهم، للإشارة بالإصبع الى القَتَلَة الحقيقيين وليس الى قاتل وهمي يختبئ وراءه القاتل الفعلي. المشكلات والصعوبات التي واجهت المحكمة ومتابعة عملها لم تؤخّر في إحقاق الحقّ ولم تعطّل سيرة كشف الحقائق، فالتفجير أودى بحياة عدد من اللبنانيين وقد أثبت تاريخ المحاكم الدولية انه قد يكون محفوفا بالعقبات إلا أنه لا يفضي في النهاية إلا الى كشف المجرمين الذين تورّطوا في قتل الرئيس الشهيد والوزير باسل فليحان مع مرافقين ومواطنين.
صَبَرَ اللبنانيون ونالوا أسماء وأرقاماً وتحركات مفصّلة. “الجريمة الإرهابية” بحسب توصيف مجلس الأمن، زادت من تمسّكهم بالعدالة الدولية وإن كانت جريمة وقعت على الأراضي اللبنانية، إلا أن ارتداداتها كانت عربية وانعكاساتها أثّرت في حياة اللبنانيين ويومياتهم، فقدوا الأمن والأمان، تغيّر مجرى مستقبل وطنهم، وكأن البلد عاد ألف خطوة الى الوراء، وقَفَز من سنوات السلم الى سنوات تكاد تلامس الحرب الأهلية.
تماسَكَ اللبنانيون في أوقات الشدّة، بانتظار هذا اليوم. لم يتمكن أحد من إلغاء المحكمة الدولية، فهي مستمرة شاء من شاء وأبى من أبى، طالما أن الإرادة باستمرارها هي إرادة جامعة وإرادة الحقّ الطبيعي لكل لبناني فَقَدَ أخاً أو صديقاً أو قريباً، ولكل لبنان الذي يفتقد الرئيس الشهيد رفيق الحريري منذ تسع سنوات. ففي العام 2007، صدر القرار 1757 الذي أنشأ المحكمة الدولية وكان القرار الأول من نوعه في الشرق الأوسط، كم كانوا كثراً الذين “انكبّوا” على وضع العصي في دواليب العدالة، فالعدالة الدولية لا يمكن استمالتها برشوة ولا يمكن إخضاعها بتهديد، وعدالتها تقوّي النظام اللبناني ولا تضعفه وبالتالي فقد شكّلت هذه المحكمة منذ سبع سنوات حتى اليوم الأمل الوحيد المتبقّي للبنانيين، لإستعادة حلمهم بلبنان الجديد.
بين أيدي القضاء الدولي، وضع اللبنانيون مخاوفهم وآمالهم وتطلّعاتهم ومستقبل أجيالهم، وضعوا دموعهم وحنينهم وشوقهم ولهفتهم الى أحبّائهم، وتركوا مصير وطن يريد الإرهاب أن يمزّقه ويقضي على الأحرار فيه. إنه قضاء مستقل، فلا مساومة ولا مقايضة، ولا خوف من وصول العدالة فيها الى نقطة اللاعودة، فرئيس المحكمة السابق القاضي أنطونيو كاسيزي كان قد أكد مرارا أن “المحكمة ستكشف الحقيقة استنادا إلى أعلى معايير العدل”. ثم كُشف عن أكثر من 7 آلاف دليل جنائي يتعلّق بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فمن يمكنه أن يدحض 7 آلاف دليل؟!
إن انطلاق عمل المحكمة يأتي تتويجا لنضال اللبنانيين في سبيل معرفة الحقيقة، وقد جاء ذلك في تفاصيل القرار 1757 الذي أنشأ المحكمة الخاصة بلبنان، حيث أخذ علما بـ “طلب الشعب اللبناني الكشف عن المسؤولين عن التفجير الإرهابي الذي أودى بحياة رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري والآخرين وجلبهم إلى العدالة”. وما ساعة الصفر لزمن العدالة التي دقّت سوى إنذار للمجرمين والمتواطئين والمتورّطين بأن إرادة الحياة لثوار الأرز أقوى من تمنّياتهم الإرهابية لهم بالموت. “إِذنُ” الشعب اللبناني بالقبض على المجرمين قد صدر، ولمن يعلم ويدّعي عدم علمه أو يتمنى “لو كان يعلم”.. فإن يوم أمس بالذات كان هو اليوم المجيد.