حدث تاريخي بامتياز سجل مع انطلاقة المحاكمات في المحكمة الخاصة بلبنان ليعلن انتهاء زمن الافلات من العقاب في بلد عانى ولا زال من الاغتيالات السياسية.
هذه الوقائع أحدثت دوياً صادماً وخصوصا لدى ذوي الضحايا الذين حضروا جلسات اليوم الاول، يتقدمهم الرئيس سعد الحريري الذي بدا أسوة بذوي الضحايا الآخرين شديد التأثر والانفعال مع استعادة ممثل الادعاء الصور والاشرطة عن يوم الاغتيال في اطار اظهار الادلة لقضيته. وأفادت موفدة “النهار” الى لاهاي كلوديت سركيس ان من الادلة التي عرضت للمرة الاولى صورة لجثة الرئيس رفيق الحريري على الارض بعدما دفعه الانفجار الهائل الى خارج السيارة التي كان يقودها وبدت الجثة ممددة ومغطاة بشرشف كما بدت يداه ورجلاه محروقة.
وأبقى الادعاء الاتهام، في دائرة الافراد الخمسة وحدهم، متحاشيا التلفظ بأي اتهام مباشر الى الفريق الذي يفترض احتضانه للمتهمين الخمسة وتحصينه اياهم من اي محاكمة، ولكنه لم يتردد في القول أن جهات داخلية وخارجية خطّطت لاغتيال رفيق الحريري بواسطة انتحاري (ليس أبو عدس) يقود سيارة “الميتسوبيتشي” البيضاء وبعبوة يعادل وزنها أكثر من 2 طن من الـ”تي أن تي” فجرّت يدوياً وليس لاسلكيا، مؤكداً أن المحكمة ستطبّق حقوق المتهمين بالحصول على محاكمة عادلة، وأن الشهود بإمكانهم عرض الأدلة أمام المحكمة.. وللمرة الأولى، ترافق توسيع مضمون القرار الاتهامي، بصريا وسمعيا، مع استنتاج تكرر في مطالعة الادعاء العام بأن قرار التخطيط للجريمة (بدء المراقبة) حصل بعد استقالة رفيق الحريري مباشرة في خريف العام 2004، وفي تلك الاشارة، استكمال لما سبقها من تلميح ضمني حول دور جهات خارجية في التخطيط والتنفيذ. وجاءت عناصر أخرى، وبينها طبيعة العبوات المستخدمة وطريقة شراء الأجهزة واستخدامها وتسديد فواتيرها، لتدعيم فكرة الجهة المنظمة وارتباطاتها.
واضافت: “إستعاد وجه سعد الحريري الجالس في المقعد الأعلى في المحكمة بصفوف المتضررين قبضات الزمن الأليم، واستعادت وجنات الأمهات والآباء والأشقاء والأبناء والزوجات- الأرامل، سواء من كان منهم في المحكمة أو في المنازل، تلك الدمعة المصنوعة من نار تدمغ وجناتهم. وهو على أي حال، أكّد في بيان أمام مقر المحكمة أن “موقفنا منذ اللحظة الأولى وفي كل لحظة كان وسيبقى طلب العدالة، لا الثأر، وطلب القصاص، لا الانتقام” معتبراً ان “حماية المتهمين بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه والإصرار على عدم تسليمهم الى العدالة، هو جريمة مضافة إلى الجريمة الأساسية الكبرى”.
وقال إنه “ما كنا نتصور أن في صفوف اللبنانيين من يمكن أن يبيع نفسه للشيطان وان يتطوع لقتل رفيق الحريري وتنفيذ أبشع عملية إرهابية بتلك الكمية الهائلة من المتفجرات”.
ولكن، الواقع ليس تراجعيا، فقد قفز 14 شباط 2005، بدقائق أيضا، 9 سنوات الى الأمام، ليلتحق بزمن العدالة، حيث القاتل ليس مجرد خدعة دنيئة اسمها أحمد أبوعدس، بل هو إسم وصفة وانتماء وتكفيري…أصيل!
وريشة مكتب الادعاء العام لم تكتف بإعادة صناعة الحدث، بإشكالياته وحقائقه وعواطفه، بل امتدّ إبداعها لترسم الأدلة التي تجعل هذا ” الرسّام” يأسر متهمه الهارب تحت جلباب سلاح “حزب الله”، بأدلة تكاد…تنطق.
في المحكمة، ولدى متابعة تقييم أدلة داتا الاتصالات المتوافرة من الشبكات الأرضية والخلوية الخاضعة لسلطة الدولة، تدرك جيّدا لماذا سرّع “حزب الله” عملية استكمال شبكة هاتفه الخاص، ولماذا قاد غزوة أسقطت عنه قناع المقاومة، دفاعا عن هذه الشبكة التي ستمكنه لاحقا من التحرك، بعيدا من أي رقيب وأي حسيب، وفق ما يعتقد.
وفي المحكمة تدرك أيضا، وأنت تطلع على تاريخ بدء تشكيل الفرقة التي ستنفذ الجريمة، لماذا كان يلتقي رفيق الحريري، بالإعلام “المحسوب جدا” وبالموفدين “الأمينين جدا”، بأن خروجه، بعد التمديد لأميل لحود من رئاسة الحكومة، لن يكون كما كان خروجه منها في بداية عهد لحود.
في الخروج الأول ذاق رفيق الحريري وفريقة الأمرين في مواجهة حملة مزوّرة تحت عنوان مكافحة الفساد، ولكن، في خروجه الثاني، تقرر أن يحترق.
للمرة الأولى، جرى تفكيك الرسالة التهديدية، بأدلة قضائية قادت الادعاء العام الى اتهام خمسة من “حزب الله” باغتيال رفيق الحريري.
في المحكمة، لم يقدم المدعي العام دوافع الجريمة. بقي بعيدا عنها، على اعتبار أن الدوافع يفترض أن تقترن بتحديد صاحب الأمرة، ولكنه لمّح إليها تلميحا، بربط بدء التحرك لاغتيال الحريري، ببدء رفيق الحريري في تكسير طوق النظام الأمني اللبناني- السوري( وحزب الله في صلبه) عنه وعن لبنان.
في المحكمة، لم يكن طيف الشهيد وسام عيد فقط هو الحاضر، من خلال سير القضاء الدولي على الطريق الذي سبق ورسمها بنفسه، قبيل اغتياله، بل كان طيف وسام الحسن حاضرا، بقوة أيضا، من خلال تأكيد الادعاء العام بأن من أعطى الأوامر لانطلاق موكب الحريري من ساحة النجمة الى قريطم، هو الشهيد طلال ناصر.
إبتسمت أرملة وسام الحسن، التي تعاني عائلتها من “هجوم العار” على زوجها الشهيد، وعانقت الفخر الذي كان يشع من عيني والد الشهيد وسام عيد.
العاشرة والنصف (بتوقيت بيروت) من قبل ظهر الخميس (كانون ثاني 2014، وفي لا يدشندام احدى ضواحي لاهاي، عاصمة هولندا، انطلقت المحكمة الخاصة بلبنان لمحاكمة المتهمين بتنفيذ الاعتداء والتدخل في التمويه والتضليل، وهم خمسة اعضاء او مقربين من «حزب الله»: مصطفى بدر الدين (52 عاماً)، سليم عياش (50 عاماً)، وهما متهمان بتنفيذ الاعتداء، واعتبرهما الادعاء مسؤولين عسكريين في حزب الله، اما العنصران الآخران، فهما: حسين عنيسي (39 عاماً)، واسد صبرا (37 عاماً)، وهما عنصران امنيان متهمان بتسجيل شريط فيديو مزيف تضمن تبني الجريمة باسم مجموعة وهمية بشخص احمد ابو عدس، من جماعة «النصرة والجهاد في بلاد الشام».
اما المتهم الخامس، وهو حسن مرعي الذي وجه اليه الاتهام في 10 تشرين الاول الماضي وتعتزم المحكمة ضمه الى لائحة المتهمين.
وبين هذين التاريخين 9 سنوات الا شهراً، طويت صفحة وفتحت صفحة، في مرحلة بالغة التعقيد ترتج خلالها بلدان المنطقة على وقع التقاتل الداخلي بالحديد والنار، إلا ان نسمة عدالة هبت، علّها تعيد الامن والاستقرار والاحتكام الى منظومة القيم الديمقراطية في ادارة الخلافات السياسية، والتي من شأنها ان ترسم خارطات الطريق الواضحة لتداول السلطة.
وقبل ان تلفظ المحكمة حكمها بحق هؤلاء المتهمين او سواهم، وتقول كلمتها بقرينة البراءة او الادانة، غداً او بعده او بعد سنة او سنتين، المهم ان مسار العدالة انطلق، هكذا قال الرئيس سعد الحريري، نجل الرئيس الشهيد، بعد ان شارك في الجلسة الافتتاحية، وبتأثر بالغ قال: «لم نكن نتصور ان يكون في صفوف اللبنانيين من يبيع نفسه للشيطان ويتطوع لقتل رفيق الحريري»، مؤكداً ان «موقفنا كان طلب العدالة لا الثأر وطلب الاقتصاص لا الانتقام»، متوقعاً ان يرى «العدالة في نهاية المحاكمة، ونعرف من قتل رفيق الحريري وقادة 14 آذار، لكي يدفع ثمن اعماله».
وبدا المشهد بالغ التأثر من لاهاي الى بيروت، حيث خيمت اجواء من الحزن والأسى على شرائح واسعة من المجتمع اللبناني، والبيروتي خاصة، وهم يتابعون وقائع المحاكمة والمشاهد التي عرضها المدعون العامون، والتي اعادت الى الذاكرة مأساة الجريمة، فيما كان التأثر كبيراً على اهالي الضحايا الذين شاركوا في انطلاق المحاكمة، حيث كانوا يواسون بعضهم ويمسك البعض ايادي البعض الآخر، فيما الدموع تنهمر على وجناتهم، وطافت الدموع في حقل عيون والدة الشهيد مازن الذهبي وهي تستمع الى معاناة ولدها التي استغرقت ساعات قبل ان يفارق الحياة، وسمعت شهقات حاضرين وهم يطلعون لأول مرة على ما بقي من السيارة التي كان فيها مرافق الحريري يحيى العرب (ابو طارق).
صحيفة الشرق اعتبرت انه بعد تسع سنوات على التفجير الارهابي في 14 شباط من العام 2005 الذي هز لبنان عبر استهدافه الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، انطلق امس قطار العدالة في الجريمة، حيث باشرت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان اولى جلساتها العلنية في الجريمة على رغم العراقيل العديدة التي اعترضت طريقها منذ انشائها ما دل على ان العدالة ستنتصر وان زمن الافلات من العقاب قد ولى في لبنان، وان حقيقة قتلة الرئيس الشهيد آتية لا محالة.
