أمس انطلقت المرحلة الأهم، وكأن الزمن عاد تسع سنوات الى الوراء، لحظة ضمّنت المحكمة في جلستها الافتتاحية شريطاً موثّقاً استعادت فيه مشاهد بشعة ومؤلمة من جريمة الرابع عشر من شباط من العام 2005، والتي وصفها القاضي مين بأنها كانت: “جحيم من صنع الانسان”.
وما خفي قبل السادس عشر من كانون الثاني، تاريخ بدء أولى جلسات المحكمة معلنة بداية زمن العدالة، أدمى العيون بانكشاف تفاصيل ومحطات ومعاناة لم تعرضها الكاميرات من قبل، ولا أفصحت عنها الأقلام “العليمة” بحجم التفجير ومخلفاته في الأجساد والبشر والحجر معاً، فإذا بأهالي الضحايا والمتسمرين خلف الشاشات من حول العالم يصعقون للمعطيات التي لم يطلعوا عليها من قبل ومن بينها معاناة الممرض مازن الذهبي في اللحظات الأخيرة قبل استشهاده، والصور الأولى للسيارة التي كان فيها يحيى العرب (أبو طارق)، والفان الذي حمل المتفجرات، والخطأ الذي حصل مع الشهيد طلال ناصر الذي دفنت جثته مرتين…
ومضى الشريط يبيّن أكثر اللحظات التي سبقت الانفجار، وتحديداً من لحظة عبور الفان الأبيض نفق سليمان فرنجية باتجاه فندق السان جورج محملاً بطنين من المتفجرات. هناك الى اليمين توارى بعيداً عن الانظار، الى حين انطلق نحو هدفه مخترقاً موكب الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وكم تمنى كل من تابع ذاك الشريط أمس لو أنّ اللحظات توقفت عند الدائرة التي تشير الى الفان في عبوره الأخير، ولو أنّه لم يحدث ذاك الاختراق، ولا ذاك الدوي الذي رصده مركز بحنّس مسجلاً ارتدادات موجعة في نفوس كل من عرف رفيق الحريري في الداخل والخارج.
… وبدوران الشريط موثّقاً اللهب الأحمر والصراخ والنحيب وارتجاف الأجساد التي كانت تشتعل، وبجانبها الرئيس الشهيد مدثّراً بحرام شتوي بحيث تمّ التعرّف اليه من أغراضه لكثرة التشوّه الذي أصاب جثّته، وبقايا محرّك سيارة الميتسوبيشي التي اختفت من مسرح الجريمة، دار البكاء في أروقة المحكمة، وفي المنازل والمتاجر وكل الأمكنة التي تابعت بوجع تفاصيل، بينها أنّ أبو عدس لم يكن الانتحاري وأنّ الشريط المصور للتمويه فحسب، وأنّ العبوة فجّرت يدوياً، وأنّ : “الشعب اللبناني كله كان ضحية هذا الاعتداء، بالاضافة الى الجرحى والشهداء الذين سقطوا في التفجير الارهابي”.
كان أمس يوم رفيق الحريري الأوّل في زمن العدالة، والآتي أعظم على وقع صرخة أمّ مفجوعة: “شو هالاجرام يا ربي!”. وصرخات شباب تلاقوا على الموجة ذاتها: “من بيروت..هنا رفيق الحريري”.