فما تقوله النشرة الصفراء، المسلوبة أساساً من ملكية “الحزب الشيوعي”، للترويج لقتلة ميشال واكد وسهيل الطويلة وحسين مروة ومهدي عامل، هو أنّ الدوافع التي قد تحمل على التخلّص من شخص كرفيق الحريري هي جزء لا يتجزأ من الدوافع التي تستوجب حماية وتعزيز المقاومة.
ما دأب عليه ابراهيم الأمين ونشرته هو التالي: الدسّ والافتراء ضد التحقيق الدولي ثم المحكمة الدولية من جهة، والدسّ والافتراء لإبطال الحاجة أساساً الى أي محاكمة دولية، بحجة أنها فعل استقواء بالخارج، وضد أي محاكمة داخلية جدية، طالما أن الكمّ السائل في جريدة “الأخبار” ضد رفيق الحريري بعد استشهاده، وضد العدد الأكبر من شهداء ثورة الأرز قبل استشهادهم وبعده، هو كمّ لا يحتاج القاتل من بعده الى مبرّرات إضافية لدوافعه.
اذاً، وبالحد الأدنى، حين يعلّق ابراهيم الأمين على انطلاقة المحكمة، وعلى بيان الرئيس سعد الحريري بهذا الصدد، فانه لا يفعل ذلك من موقع “كبير الحكماء” الذي يفتي أين هي الحكمة وأين هي الرعونة، وإنما من موقع ضابط “النشرة الصفراء” السوقية التي دأبت على مدى السنوات الماضية على توهّم إمكان قطع الطريق على ما هو حاصل اليوم، من انطلاقة قطار العدالة الدولية في ملف اغتيال الرئيس الشهيد والاغتيالات الأخرى.
لو أراد ابراهيم الأمين “افتعال” النقد الذاتي بعض الشيء، طمعاً باكتساب احترامية مفقودة، على ما كان مأثوراً لدى صحافيين ممانعين آخرين، لكان عليه أن يباشر مقالته بالقول: بكل أسف لم أتمكن وزملائي وكامل الفريق الذي ننتمي اليه من قطع الطريق على المحكمة الدولية.
لكن ابراهيم الأمين يفضّل المكابرة. من جهة، المحكمة الدولية هي مؤامرة امبريالية ضد سوريا و”المقاومة” بالنسبة إليه، ومن جهة ثانية هي مؤامرة وهميّة، وغير جديّة، بل يقول ان لا شيء في يد المحكمة غير ما أخذته مما أسماه “الفريق الأمني والسياسي” للرئيس الحريري.
يا لها من مؤامرة اذاً. هكذا يخاطب ابراهيم الأمين قرَّاءه: هي محكمة تمّ تمويلها بملايين الدولارات، جزء اساسي منها من اموال المكلف اللبناني، ومقاصدها خبيثة ضد نظام بشار الاسد ومقاومة “حزب الله”، ومع ذلك فليس عندها ملف اتهامي مقلق. لا شيء يدعو ابراهيم الأمين الى القلق اذاً، هل بربّكم هذا النَفَس الموتور الذي اختطّ به مقالته بالأمس يكشف عن شديد الراحة والطمأنينة؟!
الأدهى ان ابراهيم الأمين يستهل كلامه بالدعوة الى الكدّ البحثي والاجتهاد لمقاربة موضوع المحكمة، آخذاً على قوى الرابع عشر من آذار التبسيط والاستسهال. القارئ الذي لم يقرأ ابراهيم الأمين من قبل كان سيستنج اذاً أن “عبقريّ آخر زمان” يدعوه الى مطالعة أكاديمية. لكن ما يقوله الأمين يلخّص بالتالي:
– سعد الحريري وتيّاره وكامل آذار يتلهون بالعناوين دون المضامين، ويريدون استغلال الجلسة الافتتاحية لمرامٍ سياسية.
– المحكمة الدولية نفسها ليس فيها مضامين، طالما أن كل شيء فيها وضَعَه سعد الحريري فيها. “لا شيء في يد المحكمة” هذه هي الفكرة الاساسية التي يريد ان يروّجها ابراهيم الأمين، والذي يضيف إليها هجمة رخيصة مجدداً ضد شعبة معلومات قدّمت وسامَيها، وسام عيد ووسام الحسن، عنواناً للذكاء والكدّ من أجل الحقيقة.
– أما استغلال الجلسة الافتتاحية، والعناوين بدل المضامين، لمحكمة ليس فيها اصلاً مضامين، فهو بالنسبة الى ابراهيم الأمين لغاية واحدة: تقاسم سعد الحريري الحكومة مع “حزب الله”!
هل ثمّة عفن وصل اليه عقل بشري أكثر من هذا؟ كل قول يدحض الآخر. بعد ذلك ينصّب ابراهيم الأمين نفسه صاحب القول الفصل في حكمة هذا، ورعونة ذاك. يا ابراهيم الأمين مقالتك بالأمس هي الرعونة ان حكت: الضحالة المطلقة!
الضحالة أخلاقية أولاً: بالنسبة اليه ليس هناك مسلسل اغتيالات مركزه اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وانما هناك “من فتح باب جهنم على لبنان وسوريا” منذ تسع سنوات. من الذي فتحه يا أمين؟ رفيق الحريري، أم المطالبون بمعرفة من قتل رفيق الحريري، أم قَتَلة رفيق الحريري؟
ابراهيم الأمين لا يجيب بوضوح عن هكذا سؤال. يجيب بالمواربة، إنما بشكل اكثر دناءة: المشكلة في “لافتات العدالة والحقيقة التي منعت الهواء النظيف”. ما هو الهواء النظيف كما يحب تنشقه ابراهيم الأمين، نقيض لافتات العدالة والحقيقة؟ رائحة الأجساد المحترقة في التفجيرات الارهابية بداعي الاغتيال؟