#adsense

محكمة تحكم حكومة

حجم الخط

 التغاضي عن التأثير الطارىء والفاعل لبدء جلسات المحكمة في لاهاي على تشكيل الحكومة في لبنان ليس سوى سياسة نعامة.

وقد حاول فريق “حزب الله” تحييد الإهتمام عن مركزيّة لاهاي بوسائل ثلاث:

 –  التقليل من شأن الأدلّة والوقائع القاطعة التي طرحها الإدّعاء العام برغم تفاصيلها الجديدة البالغة الدقّة

    والخطورة والإدانة الصريحة.

 –  الفصل بين ما يجري في المحكمة وما يُدبّر للحكومة، وكأنّ لا شأن للعدالة الدوليّة في الواقع اللبناني.

 –  وتغطية سماوات العدالة الكلّية بقبوات الصواريخ على عرسال وضحاياها المدنيّين، والانفجارات             الجزئيّة هنا أو هناك، وآخرها في الهرمل. ولا فرق بين مصادر القصف والتفجير، “نصرة” أو “نصر      إلهي”، فالهدف واحد.

إنّ إغراق تشكيل الحكومة في الجدل حول ما يسبق ماذا، تشكيلة “3 ثمانات” أَم الاتفاق على البيان الوزاري، الحصص والحقائب والمداورة أَم سحب الثلاثيّة وإبدالها بإعلان بعبدا، لم يعُدْ يُجدي.

القضيّة باتت أبلغ وأعمق: كيف يلتقي القاتل والقتيل إلى طاولة واحدة.

هذا هو التحدّي الأوّل الذي يواجه “الحكومة الجامعة”، لأنّ المسألة لا تقتصر على قبول فريق “14 آذار” بتركيبتها لقاء تنازلات شكليّة من فريق “8 آذار”. فهناك وجدان ملتهب لدى ذوي الشهداء والضحايا، وجروح مفتوحة لم تندمل، ولن تندمل إلاّ بالمصالحة التاريخيّة، ذات يوم، بعد انكشاف الحقيقة العارية.

قبل بدء جلسات المحاكمة كانت قاعدة “14 آذار” تنتقد بحدّة قبول بعض قياداتها التنازل عن عناوينها العالية والدخول في مساومة بين المبادىء والمصالح، أمّا الآن فقد دخل وجدان ذوي الشهداء و”ثورة الأرز” عاملاً إضافيّاً قويّاً لمنع أيّ اتجاه للتنازل.

قبل لاهاي، كان مفاوضو “14 آذار” يطالبون بالتزام “حزب الله” إعلان بعبدا والوعد بالإنسحاب من سوريّا، وسحب تعبير “جيش وشعب ومقاومة”، وتعطيل “الثلث المعطّل”، ولو ظاهريّاً، ثمّ البحث في مداورة الحقائب والحصص.

بعد لاهاي، طرأ سؤال صعب: كيف تتشارك الضحيّة والجلاّد في إدارة البلاد؟

موافقة الضحيّة على هذه المعادلة القاسية تتطلّب تجاوزاً إستثنائيّاً للذات المطعونة، لا يتحلّى به إلاّ كبار النفوس. وهذه شيمة ليست غريبة عن قيادات “14 آذار”، وقد أثبتتها غير مرّة في مفاصل أمنيّة وسياسيّة دقيقة، وفي حكومات مفخّخة سابقة.

ولكنّه تجاوز مؤقّت في انتظار لحظة المسامحة الكبرى والمصالحة التاريخيّة التي تنتظر اعتراف القاتل بجريمته وخضوعه للعدالة.

تحت هذا العنوان، التجاوز المؤقّت، يُمكن استئناف التفاوض على ما يُسمّى “حكومة جامعة”، ولكنْ بمكاسب وطنيّة وليست شخصيّة. وأبرز هذه المكاسب الوطنيّة: التمسّك القوي بالهدفيْن الأوّليْن من الأهداف الخمسة، أي تمهيد وترتيب عمليّة سحب “حزب الله” من الورطة السوريّة، واعترافه الصريح والخطّي (في البيان الوزاري) بإعلان بعبدا.

في هذه الحال فقط، يكون للشراكة بين القاتل والقتيل معنى التأسيس للمصالحة والعبور إلى الدولة.

وإذذاك فقط، تكون دماء الشهداء أزهرت حلاًّ وطنيّاً، فيرقدون في ضرائحهم على رجاء قيامة لبنان.

المطلوب الآن من سعاة التشكيل ووسطاء التذليل أن ينتبهوا إلى أهمّية اللحظة التاريخيّة، فلا تكون حقائق لاهاي صرخة في وادي المكاسب السياسيّة الشخصيّة، بل نداء للشراكة الوطنيّة الحقيقيّة، على أساس وصايا الضحايا:

خذوا دماءنا وجثاميننا وابنوا عليها دولة مناقب، لا سِيْبة حقائب!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل