كتب حسن شلحة في صحيفة “اللواء”:
يبدو أن العامل الأمني المحيط بلبنان شكّل عاملاً أساسياً ضاغطاً على القوى السياسية لتبدي هذه المرونة الظاهرة بخصوص تشكيل الحكومة بعدما تمنّعت لمدة تسعة أشهر عن تقديم أي تنازل.
يُضاف الى ما سبق الضغوط الدولية والإقليمية التي أبلغت جميع القوى السياسية المعنية بتشكيل الحكومة ما مفاده أن الوضع في لبنان لم يعد يحتمل، وأنه من الضروري الإسراع بتشكيل الحكومة، ومن أجل تحقيق ذلك لا بد من تقديم تنازلات متبادلة.
وعليه وجدنا قوى 14 آذار تغاضت عن شرط عدم المشاركة في حكومة جامعة قبل انسحاب حزب الله من سوريا، واكتفت بأن يُعلن الحزب التزامه بـ «إعلان بعبدا»، أو أقلّه أن يكون «إعلان بعبدا» مرتكزاً للبيان الوزاري الذي ستتقدّم به الحكومة الجديدة لنيل ثقة مجلس النواب، كذلك أصرّت قوى 14 آذار على حذف فقرة «الجيش والشعب والمقاومة»، فهي ترى أن هذه الفقرة بعد مشاركة حزب المقاومة عسكرياً في سوريا باتت من الماضي. بدورها قوى 8 آذار تنازلت عن صيغة القسمة الحكومية التي كانت متمسكة بها وهي (9-9-6) فهي كانت تتمسك بأن يكون لها الثلث الضامن، وأن الوسطيين وهم: الرئيس ميشال سليمان، والنائب وليد جنبلاط، والرئيسين تمام سلام ونجيب ميقاتي ليس لديهم التمثيل الشعبي والنيابي ليتساووا مع فريق 8 آذار أو 14 آذار بالحصة الحكومية، وترى أيضاً قوى 8 آذار بأن الغلبة العددية في مجلس الوزراء ستكون الى جانب 14 آذار حيث التوافق يجمعها والرئيس ميشال سليمان والرئيس تمام سلام، وهذا يعني أنها تستطيع أن تضع «الفيتو» في مجلس الوزراء على أي قرار لا يناسب توجهاتها، ومع ذلك وافقت على الرجوع الى صيغة (8-8-8).
يرى مصدر في قوى 14 آذار «أن حزب الله أسرع وقدّم بعض التنازلات رغبة منه في أن يتزامن تشكيل الحكومة مع بدء جلسات المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والتي تنظر بقضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والمتهم فيها خمسة أعضاء في حزب الله، وأن الحزب حاول أن يتجنّب ما يمكن أن يتعرّض له سياسياً وإعلامياً جراء هذا الاتهام بالجلوس على طاولة مجلس الوزراء وإلي جانبه أهل الضحايا من قوى 14 آذار».
ويُضيف المصدر «خاصة وأن حزب الله قد فشل سابقاً في إبطال مفعول المحكمة الدولية، فكل ما بذله من محاولات وصفها بأنها مسيّسة وأميركية وإسرائيلية قد باءت بالفشل، كما أن الحزب يتعرّض منذ سنتين لحملة سياسية وإعلامية شرسة وواسعة على خلفية مشاركته في قتل الشعب السوري الى جانب الرئيس بشار الأسد، فهذه الحملة أطاحت أو شوّهت إنجازاته السابقة إبّان مقاومة الإحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية، فالحزب بناء لنصيحة القيادة في إيران الراغبة في تقديم الحزب بصورة مختلفة بعد الإنفتاح الأميركي والأوروبي عليها، ولتخفيف وطأة الضغوط السياسية المتراكمة عليه ذهب بل أسرع الى تقديم هذه التنازلات قبل بدء جلسات المحكمة الدولية، ولكن بعد تعثّر تظهير تشكيل الحكومة وبدء جلسات عمل المحكمة الدولية لا أعتقد أن الحزب سيقدم على تقديم تنازلات أخرى، بل سيعمل على امتصاص هذه الضغوط المتراكمة عليه ومنها النتائج السياسية لما تُظهره جلسات المحاكمة لعناصره في لاهاي».
بدورها مصادر مقرّبة من حزب الله ترى أن الحزب أقدم على تسهيلات لتشكيل الحكومة ليس خشية من الحملات السياسية والإعلامية، وليس لتفادي نتائج (السياسية) عمل جلسات المحكمة الدولية، فالضغوط السياسية والإعلامية ليست جديدة، فالحزب يتعرّض منذ سنوات لحملات تشويه منظّمة واستطاع استيعابها. ويضيف المصدر أن الدافع الرئيسي لدى حزب الله هو رؤيته بضرورة وجود حكومة فاعلة تستطيع أن تتخذ قرارات تخدم مصالح اللبنانيين، كما أن الحزب ضد الفراغ في المؤسسات، فهو مع حكومة جديدة يشارك فيها الجميع، ومع انتخاب رئيس جديد للجمهورية في موعده الدستوري، وأن الحزب أبلغ العديد من الجهات السياسية والدينية رفضه للفراغ في المؤسسات الدستورية وخاصة موقع رئاسة الجمهورية، وفي مقدّمة من أبلغهم بذلك البطريرك الراعي، كما أن الحزب بات يخشى من ازدياد العامل الأمني الذي بات يشكل حالة قلق لدى جميع اللبنانيين، وأنه يرفض أن يبقى العامل الأمني مهدّداً للاقتصاد وللاستقرار في البلد.
بدوره النائب وليد جنبلاط يخشى من حالة التوتر الشديد القائمة في البلد، وهو مدرك لحجم القلق السائد، ولذلك يتحرك بصورة مستمرة لتدارك الأسوأ، وعليه أنشأ حالة اتصال مع جميع القوى السياسية، وتفاهم على ذلك مع الرئيس ميشال سليمان، والرئيس نبيه بري، ويعمل على إزالة العقبات من أمام تشكيل الحكومة عقبة تلو أخرى.
العقبة الكبرى ليست في وزير ناقص أو وزير زائد لهذا الفريق أو ذاك، وإنما تكمن في انعدام الثقة بين فريقي 8 و14 آذار، فاستمرار وجود الخلافات لهذه المدة الطويلة التي سادها انقطاع تواصل شبه كامل بين الفريقين زاد في عامل انعدام الثقة، ولذلك التفاوض والحوار يتم الآن حول الفاصلة والنقطة، كل ذلك سببه انعدام الثقة بين الفريقين، ففريق 14 آذار يرى أن حزب الله يستقوي بالسلاح، والحزب بدوره يدعي أنه يتعرّض لحملة سياسية وإعلامية منظّمة لضرب إنجازاته.
لذلك على الفريقين العمل على إعادة بناء الثقة الغائبة منذ سنوات، ووقتها تتشكل الحكومة خلال 24 ساعة، والنائب نهاد المشنوق قالها بصراحة «هناك سطر واحد يُحذف ووقتها تتشكل الحكومة»، وهو يقصد أن يلتزم حزب الله بإعلان بعبدا مع حذف ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة من البيان الوزاري، وبدوره الحزب أكد أنه لا يستطيع أحد عزله، ولا يكون ذلك إلا بحكومة جامعة.
فهل تنجح الجهود المبذولة «وهي كبيرة جداً» في الأيام القريبة في وضع الخطوات الأولى لبناء الثقة بين المتخاصمين، لنشهد تشكيل الحكومة المعطّلة عمداً منذ تسعة أشهر؟