زار البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، دير مار ضومط للراهبات الأنطونيات في رومية، لمناسبة عيد القديس انطونيوس شفيع الرهبانية الأنطونية. وعقد لقاء عام للرهبانية الرجالية والنسائية، في حضور الرئيس العام للرهبانية الأنطونية المارونية الآباتي داود رعيدي والرئيسة العامة الأم جوديت هارون، تلاه حوار.
ثم ترأس الراعي قداس العيد، في حضور السفير البابوي المونسنيور غابريلي كاتشا، والنائب البطريريك العام المطران بولس صياح، ولفيف من الكهنة والرهبان والراهبات.
وألقى عظة بعنوان “ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك. فما عساه يكون لنا؟” (مر10: 28)، استهلها بالقول: “عندما قال ذاك الشاب ليسوع أنه حفظ الوصايا منذ صغره وسأله: “ماذا ينقصني من صنع الخير لكي أرث الحياة الأبدية”، نظر إليه يسوع وأحبه وأجاب: “إن شئت أن تكون كاملا، إذهب وبع كل ما تملك وأعطه للفقراء، فيكون لك كنز في السماء، وتعال اتبعني”. يقول الإنجيل “أن الشاب مضى حزينا، لأنه كان ذا مال كثير” (مر10: 22). يسوع، الذي أحبه ودعاه إلى كمال المحبة، حزن هو أيضا وقال: “ما أصعب أن يدخل غني ملكوت الله”، (مر10: 24- 25)”.
أضاف: “عندها سأله بطرس مستفسرا: “ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك، فما عساه يكون لنا؟” (مر10: 28). فكان جواب يسوع أن كل ما نتركه في سبيله وفي سبيل خدمة المحبة، “ننال عوض الواحد مئة” (مر10: 29-30).
وقال: “يسعدنا أن نلتقي معا هنا في دير مار ضوميط – روميه، مع الراهبات الأنطونيات والرهبان الأنطونيين، لنحتفل معا بعيد أبينا القديس أنطونيوس، شفيع الرهبانية الأنطونية الجليلة، ورهبانياتنا المارونية، وبتجديد النذور الرهبانية الثلاثة: الطاعة والعفة والفقر، إنكن، أخواتي الراهبات، تجددن كيانكن المكرس لخدمة المحبة لله وللناس، وفقا للموهبة الخاصة بالرهبانية ولتقاليدها، ولرسالتها المتنوعة الحقول والمساحات، كما احتفلنا بتجديدها أول من أمس مع الآباء الرهبان الأنطونيين في دير مار أنطونيوس بعبدا. فإننا نهنئ الرئيسة العامة الأم جوديت هارون والمدبرات العامات وجمهور الراهبات بالعيد، وبتجديد النذور مع جميع الإخوة الرهبان والأخوات الراهبات، من رهبانيات أخرى؛ الذين جددوا نذورهم، وتجددوا بروحانية القديس أنطونيوس. ونتمنى لجميع المكرسين والمكرسات، وقد “تركوا كل شيء وتبعوا المسيح” أن يجدوا فيه الكنز الأثمن والأسمى، كما وجده القديس أنطونيوس. وأن يغنيهم مثلما أغناه، ويحملوه بفرح وحماس كنزا وبشرى”.
تابع: “لقد تركنا كل شيء وتبعناك” (مر10: 28). كلنا نعرف كم أغنتنا الرهبانية والكنيسة من الخيرات الروحية والمادية والاجتماعية، التي ساعدتنا على تحقيق ذواتنا، وتطوير مؤسساتنا، وإنماء رهبانياتنا وأبرشياتنا، وعلى تأدية رسالتنا في لبنان والشرق الأوسط وبلدان الانتشار، على المستوى الراعوي والكنسي، التربوي والاستشفائي، الاجتماعي والخيري”.
وسأل: “هل كل هذا الغنى المادي والعلمي والمؤسساتي والروحي هو لنا شخصيا؟ قداسة البابا فرنسيس يجيب رسميا في إرشاده الرسولي “فرح الإنجيل”(24 تشرين الثاني 2013): “أريد كنيسة من أجل الفقراء”، أي كنيسة متجردة من ذاتها ومن خيراتها، بأشخاصها ونمط عيشهم وبمؤسساتها؛ كنيسة تضع في قلبها الفقراء والمهمشين والمحتاجين، وتتقاسم معهم غناها؛ كنيسة تضع في أولى خياراتها قضية الفقراء، تبحث عنهم، تستقبلهم، تشعر معهم، تحمل إليهم محبة المسيح ورحمة الله؛ كنيسة تسمع صراخ المساكين، الفقراء والمظلومين والمرضى والمعوزين والمعوقين والحزانى والضائعين، هؤلاء الذين يسميهم البابا “الضواحي” التي يجب أن نخرج إليها، ويسميهم العالم “نفايات” بحيث أنه لا يكترث لهم، ولا يعيرهم أي اهتمام، وليسوا في حساباته؛ كنيسة لا تعتبر غناها لها، وتتصرف به كما تشاء لراحة أشخاصها والبذخ والتبذير، بل كنيسة تدرك أن غناها هو للفقراء ولرسالة الإنجيل وخدمة المحبة والرحمة (الفقرات 187-200)”.
أضاف: “هذا ما انكببتن عليه، أيتها الأخوات الراهبات الأنطونيات، في مجمعكن العام الذي انعقد على مدى أسبوعين كاملين في تموز 2013، تحت شعار: “متجددات بالروح والحق، نسير إلى الأمام”. فكان الهدف الأساسي “القيام بخطوة جديدة نحو الإلتزام الرهباني والرسولي”. أود أن أعرب لحضرة الرئيسة العامة الأم جوديت التي أرسلت لنا بتاريخ 7 تشرين الثاني الماضي تقريرا قيما عن مقررات المجمع العام. وقد وضع أولوية للرهبانية هي: “محبة المسيح، والالتزام باتباعه وبخدمته بروح الشركة الأخوية مع جميع الناس والتضامن مع الفقراء”، كما يدعونا البابا فرنسيس، و”بحيوية وغيرة في الظرف العصيب الذي يمر به وطننا لبنان والعديد من البلدان العربية القريبة والبعيدة”.
تابع: “تجديد نذوركن، في هذه السنة، يتميز بالالتزام الجماعي بالثوابت التي أرادها المجمع العام كأولوية، وبقراراته المتحدرة من هذه الثوابت على مستوى التنشئة المستدامة للراهبات، والمختصة بالرسالة التربوية والاجتماعية والروحية والراعوية. وهي رسالة مبنية على كلمة الله وتعليم الكنيسة، وممارسة بالتعاون الكامل مع السلطة الكنسية والجمعيات الرهبانية الأخرى، كما نقرأ في التقرير.
هذا التجديد للنذور يقتضي منا، كما يعلمنا قداسة البابا فرنسيس في الإرشاد الرسولي “فرح الإنجيل”، الوعي لذاتنا الرهبانية في قلب الكنيسة، والتأمل في سر دعوتنا ورسالتنا، إذ نقف أمام مرآة المسيح الذي نتبعه، وأمام صورة الكنيسة كما أحبها يسوع، وأرادها له عروسة مقدسة ونقية (راجع أفسس 5: 27)، وفينا رغبة التجدد بإصلاح الشوائب والنواقص، والرغبة في أمانة أكبر لدعوتنا (راجع “فرح الإنجيل”، 26-27)”.
تابع: “ويذكر البابا فرنسيس، أن في “تركنا كل شيء واتباع المسيح” توجد “دينامية الخروج” من الذات نحو الآخر الأول، يسوع المسيح، ومن خلاله، نحو العالم ونحو كل إنسان. إنها عبارة عزيزة على قلب البابا فرنسيس، وما انفك يرددها على الكنيسة وعلينا، نحن الذين “خرجنا”، في الأساس، من بيوتنا وذواتنا، وجئنا نبحث عنه ونسير على خطاه في “خروجه” الدائم بمحبته ورحمته، ولا سيما نحو الضعفاء والمهمشين. ثم عاد البابا فرنسيس وتوسع في هذه العبارة في الإرشاد الرسولي “فرح الإنجيل” حيث قال: “كلنا مدعوون للخروج الجديد الإرسالي، أفرادا وجماعات. والخروج من راحتنا الشخصية والذهاب بشجاعة نحو الضواحي المحتاجة إلى نور الإنجيل، بفرح رسولي هو علامة الكرازة بالإنجيل والثمار التي يعطيها. هذا الفرح، الذي فينا، يدفعنا دائما إلى “دينامية الخروج والعطاء، والخروج من الذات، وزرع الكلمة من جديد، والذهاب دائما إلى الأبعد” (راجع الفقرتين 20 و21)”.
وقال: “وفي حديث للبابا فرنسيس مع الرؤساء العامين في جمعيتهم العامة الثانية والثمانين (27-29 تشرين الثاني 2013)، شدد قداسة البابا على التنشئة الرهبانية بأعمدتها الأربعة: الروحية والعلمية والجماعية والرسولية، بحيث تكون موجهة ليس فقط إلى النمو الشخصي، بل وبخاصة إلى تطلعاتها النهائية أي شعب الله. فعند تنشئة الأشخاص ينبغي التفكير دائما بالمؤمنين والمؤمنات الذين سيرسل إليهم هؤلاء الأشخاص. الكنيسة بحاجة إلى أشخاص يعيشون حنان الأبوة والأمومة والأخوة، وأشخاص يكونون رفاق الدرب (راجع نص الحوار في مجلة Civiltà Cattolica، عدد 4، كانون الثاني 2014)”.
أضاف: “يعلمنا القديس انطونيوس أبعاد سؤال بطرس ليسوع: “ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك، فما عساه يكون لنا؟”. فبحسب كاتب سيرة حياته، البطريرك القديس أثناسيوس الإسكندري، من بعد أن ترك أنطونيوس كل شيء ووزعه على الفقراء وراح يتبع المسيح، سمع الرب يقول له، وهو يضع على رأسه الإسكيم الملائكي: “كما تركت كل شيء من أجلي وتبعتني، فاقبل تاج النعمة وإكليل المجد من يدي. وسأتوجك في ما بعد بالتاج العظيم عند بلوغك قمة الكمال”.
تابع: “من نصائح القديس أنطونيوس لتلاميذه ولنا: “علينا أن نكون مستعدين لترك كل شيء عن طيبة خاطر، رغبة بمرضاة الله. ولنخمد فينا كل ميل وتوق إلى امتلاك حطام الدنيا التي سنتخلى عنها ساعة الموت. فيجب أن نحصل ما يتبعنا إلى القبر: كالفطنة والعدالة والقناعة والشجاعة ومحبة الله والفقراء، والإيمان بالمسيح ووداعة القلب وروح الضيافة. على مثال القديس انطونيوس، نترك كل شيء، لنغتني بالله وبمحبته، ونتبع المسيح في خدمة محبته الكاملة والشاملة. في حياة الجماعة الديرية نتعمق ونتأمل في حياتنا الروحية، ومن الدير نخرج لرسالتنا بفرح الإنجيل والروح، وبحماسة انطونيوس وغيرته.
كل هذا التعليم يضيء على قرار مجمعكن العام بحفظ التوازن الكامل بين التجذر الرهباني والحياة الرسولية، بين الخدمة مثل مرتا والتأمل مثل مريم، بين الخارج والداخل. وهذه قاعدة للاتباع في كل مشاريع الرهبانية وقراراتها”.
وختم: “أيها الرب يسوع، نسألك، بشفاعة أبينا القديس انطونيوس، أن تجدد كياننا الرهباني الداخلي بتجديد نذورنا. أخرجنا من ذواتنا ومن دائرة تفكيرنا، لكي نذهب نحو آفاق جديدة يهدينا إليها روحك القدوس، وتستدعينا نداءات مجتمعنا وحاجات الكنيسة. ومعا نرفع نشيد المجد والشكران للآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين”.