Site icon Lebanese Forces Official Website

فجر العدالة

 

… وبدأت المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وشهداء 14 آذار في لاهاي، وكأنها بداية جديدة لزمن فاصل. لزمن آخر. ذلك لأنها، أولاً بدأت لكيلا تتوقف. ولأنها أُنشئت لتكشف القَتَلَة. ولأنها تسعى إلى تحقيق العدالة. ذلك لأن عدالة المحاكم عندنا، في لبنان منذ تسلط الوصايات المتعاقبة على امتداد أكثر من أربعة عقود وقعت في أيدي القتلة، أو تحت فوّهات رصاصهم. ونتذكر هنا اغتيال القضاة الأربعة في صيدا تحت قوس المحكمة. وحتى الآن، لا نعرف أين صار الملف. لأن الملف صادره من تشير إليهم أصابع الاتهام. ولا نعرف حتى الآن ماذا حلّ بقضايا اغتيال كمال جنبلاط، ولا رياض طه، ولا سليم اللوزي، ولا رينه معوض (يقال ليس هناك قصاصة واحدة في ملف الرئيس الذي اغتيل: ملف بلا ورقة واحدة! ذلك لأن الملف الكامل هو في أيدي القتلة)، ولا اغتيال حسين مروة ومهدي عامل وسهيل طويلة والشيخ صبحي الصالح، والمفتي حسن خالد، إلى عشرات الجرائم التي عرفناها على امتداد هيمنة الوصاية السورية على لبنان. جرائم بلا عقاب. ولا محاسبة. ولا مراجعة. ولا ادعاء. ولا مطالبة. ولا محاسبة. ولا مراجعة. ولا مطالبة. ذلك لأن كل محاولة من هذا القبيل ما كان ليقوم بها سوى من وضع حياته بين أيدي القتلة: “أقتلْ وامشِ”. وقافلة الضحايا والشهداء تكبر، والصمت يكبر معها. والخوف والرعب. فاستمرت “مهنة” المجرمين بالازدهار واستمر الضحايا بالتكاثر. لا محاكم في لبنان ولا قضاة ولا ادعاء حتى صار القتل الخالص النقي، السيف المُصْلت فوق رأس كل مواطن يحلم بشيء من العدالة. أو يفكر في شيء من الحرية. أو يخطر له ان ينتقد. أو يعارض أو يحتج. وما كان اغتيال الرئيس الحريري وشهداء 14 آذار إلاّ تعبيراً عن هذا الجو الذي كان يفلت فيه القاتل من العقاب. ويُتهم المقتول بالقتل.وعندما أُنشئت المحكمة الدولية، لم يصدق اللبنانيون أنها حقاً أُنشئت. لأنهم رأوا فيها ما يحلم النائم في منامه، أو من يستحضر معجزة، أو كوكباً جديداً. أو فانتازيا. محكمة دولية لمقاضاة القتلة؟ أف! وبعدما أُنِشئت! ومن فرط المخافة ان تعطل، وضع اللبنانيون أيديهم على قلوبهم. أتُرى ستستمر؟ أترى ما بدأ قابل للحياة؟ فالقتلة، والمخططون والمنفذون، كأنما كانت أيديهم في الماء البارد. بلا محكمة. بلا “بلوط”. هذه بدعة تنافي “القوانين” والتقاليد والأعراف و”الدين” والشيم. وراحوا يشككون ويُخوّنون أهل القضية ويُرهبونهم ويتهمون المحكمة بالتسييس. وبأنها اسرائيلية. أميركية. وراحوا يضلّلون: من أبو عدس إلى الحجاج الاستراليين إلى اسرائيل. إلى فلان وفلان لابعاد الشبهة عنهم، وإدعاء البراءة! وأي مجرم في العالم من أصغرهم إلى أكبرهم. لم يدَّعِ البراءة من محاكمة نورمبرج. إلى يوغوسلافيا وميلوسوفيتش… وبينوشيه. كلهم حاول تبرئة نفسه. ولكن في النهاية حُققت العدالة. ونعرف مصير المجرم ميلوسوفيتش. قبل أيام افتتحت جلسات المحكمة الجنائية الدولية. وأمامها أربعة متهمين، ينتمون كلهم، بإذنه تعالى إلى حزب الله تعالى. ولأن الحزب عوّدنا انه هو العدالة، والعدالة هو. وهو الحُكم والحَكم. وهو القاضي والمحكمة. والقانون والدستور وهو مِن جِبِلَّة أرفعَ من ان تحاسَب. أو تُراجَع. أو تُساءَل. فها هو يحمي المتهمين الأربعة. هكذا بكل بساطة. بل ورقّاهم الى مراتب القديسين والأولياء بكل وقاحة، وبلا لبس. ولا مجازٍ. فهؤلاء الأربعة متهمون ولكن يجب أن يكونوا بلا “تهمة”. ودم شهداء 14 آذار لا يساوي ما يستدعي البحث لا عن محاكمة ولا عدالة: كيف تحاكم من هو فوق العدالة؟ حتى بتنا نرى في الصراع الحالي في لبنان، وكأنه منقسم بين القتلة والمقتولين: فريق قاتِل يملك السلاح والنيّة والأيديولوجيا والعزم ويستبيح الأرواح عبر الاغتيال الفردي والجماعي، بالسيارات المفخخة أو بالنسف، أو بالغدر، وفريق آخر كأنه تحول إلى جمعية دفن الموتى. فريق أوصله جنونه وعنفه إلى احتقار الروح من البشرية أوصله جنونه وعنفه إلى احتقار الروح البشرية وفريق كاد حتى أن “يحتقر” روحه، ليسلمها إلى المجرمين، وأن يستسلم لهم. وربما إلى توجيه الشكر والامتنان إليهم لأنهم “يختارونه” ويقتلونه.. ولأن سماحتهم وكرمهم ونبلهم وإيمانهم وضعوه على لائحة التصفية. بل كأننا منذ عصر الوصاية إلى عصر الوصايتين (السورية والإيرانية) صرنا ورقة نعي طويلة عريضة تغطي جغرافية لبنان كله، وجزءاً كبيراً كبيراً من اللبنانيين.صار القتل وسيلة “حرية” عند القتلة. طريقة “مؤانسة وامتاع”. طريقة حياة و”ترف”. وتفكير وطريقة كلام يتفوهون كل يوم القتل. أصابعهم باتت اشارات للقتل. عيونهم لاطفاء العيون. السنتهم لقطع الألسنة. وكلهم ثقة بأن العدالة الالهية منحتهم نعمة قتل الحياة الانسانية! أتراهم الآلهة الجُدد المنبعثون من فراديس الجريمة؟ واذا كان ازهاق النفوس بات جزءاً من العقيدة والمقاومة والممانعة والايمان والتفاسير. والحكم. والسلطة.. فهذا من “حقوقهم المشروعة”. فالقتل حق. واستباحة الأرواح حق. ولن يسمحوا لأحد بأن ينتزع منهم هذا الحق “الالهي” وهذا “المكسب” السياسي. وهذا الجهاد الديني وهذه النعمة الدنيوية والسماوية العامرة. هكذا ينظرون إلى كل محكمة سواء في لبنان أو في الخارج كانت أو دولية باستهزاء “روحوا بلطوا البحر”. وجميعكم على مرمانا. وكل من يتهمنا هو خائن. وكافر. عدو الله. تشييء الانسان والعالم. انتم مجرد أهداف في حقول رماياتنا. لا أكثر ولا أقل وهذا ما كان يفعله المستعمرون بالعبيد. والطغاة بناسهم. وبمعارضيهم: هل اعتبر القذافي وحافظ الاسد ومن بعده بشار وشارون وبول بوت وميلوسوفيتش وهتلر وستالين أنفسهم … “جُناة”؟ ولو اتُهموا قَتَلوا متهميهم، جريمة بلا عقاب. جريمة تغذي المجرمين. تماماً كما تُغذي الدماء مصاصي الدماء. كأنما هؤلاء لا يعيشون إلا ودماء الآخرين تجري في عروقهم. ونحن في لبنان كأننا وعلى امتداد أكثر من أربعة عقود، فتحنا عروقنا وشراييننا لنُروي هؤلاء. دمنا حلال عليهم! عشنا زمن الدم المهراق. من أطفال. إلى نساء. إلى زعماء. إلى كُتاب. إلى اعلاميين… لم يروا فينا سوى كُتل مشرعة من الدم. سوى بنك من الدماء المفتوح على شفاههم. ولهذا فوجئ هؤلاء، بل صُعقوا، عندما انشئت المحكمة الدولية: هذه جناية. هذا عمل غير انساني. فهم لم يرتووا بعد. لأنهم لا يرتوون أصلاً. ولأن وجودهم قام أصلاً على الدم. وعلى القتل. وعلى الالغاء. والتصفية: وجودهم قام على الغاء الآخر. لأن الآخر ليس سوى طعم لابدانهم. وغذاء لحضورهم. لا يعيشون مع “الآخر” بل لا يعيشون إلا اذا كان الآخر غير موجود، سواء كان فرداً أو شعباً أو قبيلة أو حزباً… فكيف سيستمرون في العيش إذا عاش هذا الآخر. أو وُجد. أو ظَهر. أو عرّف عن نفسه أو رفع هوية أو اعلن اسماً ومكاناً. أو قال أو صرخ. أو هتف. لا! هذا كله ضد القانون. ضد الطبيعة. ضد النواميس. وضد الوصايا السماوية. وضد الكتب الدينية والوضعية. وهذا كله هراء. واعتداء على “حريتهم” و”ديموقراطيتهم” و”كرامتهم” و”عزتهم” وايمانهم وتقواهم. فهم لم ينوجدوا إلاّ ليكونوا على صورة الآلهة. لا على صورة الناس. ولا حتى على صورة الوحوش. والمسوخ. فالآلهة ديّان من يمس ألوهيتها ، جبروتها، اسماءها “الخير”الألف والمليون. هالاتها. طهارتها. نقاءها. يكفر المحكمة الدولية اليوم، هي الفاصل الكبير بين زمن “الديانين” وبين الناس. انها المرة الأولى في عالمنا العربي التي تُسمع فيه مطرقة القضاء. انها المرة الأولى التي يرى فيها اللبنانيون بصيص أمل لزوال عصر البرابرة. انها المرة الأولى التي نسمع فيها صوت الضحية من وراء القبور والأضرحة يصرخ بالعدالة. كأنه المرة الأولى التي تنضم فيها القوانين إلى العدل، بعدما كانت القوانين مجرد ذريعة للظلم والاستمرار “بنهج” الاستباحة. ويقولون إن المحكمة الدولية انتهاك للسيادة الوطنية. من يقول هذا؟ من اغتال القضاة واغلق ملف بعضهم. من اغتال الشهيد رفيق الحريري وحاول ان يعبث بأدوات الجريمة وساحتها. من أحرق التلفزيونات والجرائد؟ ولم يحاسبه أحد. من حمى رفعت وعلي عيد. من يحاول تبرئة ميشال سماحة وعلي المملوك. من قتل سامر حنا ووسام عيد. وفرانسوا الحاج. من يحمي المتهمين الأربعة بقتل الحريري. من اغتال قبل اسابيع الشهيد محمد شطح. من يهدد اهله كل يوم، من يتوعد القضاة والمحامين واهل الضحايا. من تواطأ على مصير المفقودين اللبنانيين في السجون السورية. من قتل 1000 لبناني بيوم واحد في طرابلس. من هرّب شاكر العبسي من سجنه ليؤلف عصابة في نهر البارد ويعلن حربا على الجيش اللبناني. من عَطّل (ويعطل) مجلس النواب وحاصر السرايا وحكومة الرئيس السنيورة. من حاول اغتيال مروان حمادة والياس المر ومي شدياق. من قتل وسام الحسن لأنه كشف جريمة سماحة المملوك. من يهدد اشرف ريفي لأنه (والشهيد الحسن) اكتشف 26 خلية تجسس اسرائيلية! وعملاء ابرزهم العوني الممانع فايز كرم. هؤلاء الذين افرغوا القضاء من القضاة. والقضاء من القضاء.. هؤلاء الذين يعبثون بمصير البلد كله. ويدمرون الدولة والجيش وقوى الأمن والاقتصاد والكيان اللبناني والجمهورية ويشرعون الحدود الشمالية لعدوان النظام السوري.. هؤلاء الذين يعلنون انتماءهم إلى الخارج بكل قحة (لبنان يكاد يكون البلد الوحيد في العالم الذي يفتخر فيه العملاء بعمالتهم!)…

هؤلاء هم الذين صاروا غيارى على سيادة لبنان. وعلى سمعة قضائه ويريدون ان يحاكم المتهمون في لبنان! لا في الخارج. ولكن خابت فؤولهم! واستمرت المحكمة بقوة ارادة المجتمع الدولي. ولكن بنضال اكثرية اللبنانيين، واصرارهم على الرغم من تواصل العدوان عليهم، والوعيد والارهاب والاغتيال صرخوا نريد المحكمة. نريد الحقيقة. نريد العدالة نريد ان يعاقب الفاعلون. فمنذ 9 سنوات عرف اللبنانيون ان لا سبيل إلى بقاء حرياتهم وجمهوريتهم وبلدهم وسيادتهم ، إلا بمواجهة هؤلاء “المؤمنين” بسلاح القتل. بسلاح الوصاية. وعرف اللبنانيون انه اذا حدث ان الغيت المحكمة او توقفت او سُيست فيعني استمرارهم فرائس سهلة على مرمى هؤلاء: بل ان كثيرين في هذا البلد رأوا ان معنى لبنان وفكرته ووجوده ودوره سيزول كلياً في حال استمرار عربدة اهل السلاح بجرائمهم من دون عقاب. صمدوا ووقفوا وجاهروا وقاوموا. ونزلوا إلى الشارع تأييداً للمحكمة كتبوا وصرخوا وهتفوا “نعم للحقيقة المنتظرة. وحتى عندما راح الجناة يحاصرونهم بالارهاب والقتل والاجتياح ليفلّوا عزيمتهم قالوا لا. هذه المرة لا! جاء دوركم ايها القتلة لتحاصروا وراء قضبان السجون بعدما حاولتم تحويل لبنان سجناً كبيراً بملايين القضبان.
يوم الخميس الفائت في 16 كانون الثاني “لحظة” افتراق متسع بين زمن البرابرة وزمن المجتمع المدني. كأنها ربيع جديد هبَّ من كل اصقاع العالم ليغمر العدالة. ويُبرز الحقيقة.. ربيع الناس الذين خافوا وقاوموا. جزعوا وصمدوا. اختبأوا وبرزوا. صمتوا وصرخوا . قُتلوا وبُعثوا في أفواه الآخرين..

الخميس الفائت قَرْع المطرقة الدولية ملأ دوّيه العالم. واخيراً انتصر البلد الصغير على الارهاب. وأخيراً فاز الشعب الكبير برهانه على الصبر والمواجهة والانتظار يوم ليس كالأيام الأخرى. صباحه آخر وظهيرته أخرى. وليله آخر. وناسه سامقون كأقواس المحكمة. عادلون كميزانها. وها هم، وكأنهم في هذه التجربة الجديدة الفريدة الاستثنائية يُعبدون الطرق والدروب لإكمال المسيرة. المحكمة تكمل مسيرتها. وهم وراءها وامامها مستمرون. لأنهم يعرفون ان الجناة، وعلى الرغم من بدء المحكمة وحتى من قراراتها، لن يتخلوا عن لغتهم “الأصلية” الأُم ولا عن طبائعهم المتطّبعة بالعنف، ولا عن وجهاتهم الخطرة، ولا عن سلاحهم الفاشي. سيحاولون ان يقوموا بما يشبه “المحكمة” المضادة اي “المحكمة” التي تشرع لهم استمرارهم بالقتل والترهيب والتهديد… والخروج على القوانين وعلى الشعب.. ولهذا لا بد للجمهور الذي ناضل من أجل العدالة الا يستسلم للحظات الحقيقة فحسب أو احكام العدالة الدولية بل ان يلجأ إلى الوسائل المدنية الحضارية لا لحماية وجود هذه المحكمة الدولية في لاهاي وتواصلها بل لنقل تجربتها وروحها وتقنياتها وصرامتها ودقتها وشجاعتها واستقلاليتها إلى لبنان. الانتصار الأكبر للمجتمع المدني، الحر، السيادي، ان يكمل معركته لتعم العدالة لبنان وتصبح المحاكم مكاناً آمناً للمظلومين وتصبح القوانين نفسها موضوعة لاحقاق الحق.. وليست مجرد حبر على ورق.. او نصوص في كتب ميتة!

الخميس الفائت لحظة الحقيقة هذه سَطَعَت في لاهاي وعَمّت العالم كله. القتلة وحدهم منفردون بنياتهم. الخميس الفائت هو يوم المحكمة لأنه يوم شهداء 14 آذار وفي مقدمهم الشهيد الرئيس رفيق الحريري!

Exit mobile version