#adsense

هكذا قال المجرم دائماً: “خذوني”!

حجم الخط

على هامش أعمال المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي بدأت جلساتها العلنية الأسبوع الماضي في لاهاي بهولندا، يجدر باللبنانيين إذا كانوا يريدون أن يدركوا فعلاً ما يجري في سياقها أن يتذكروا مسيرة إنشاء هذه المحكمة والعراقيل المتنوعة، سياسياً وأمنياً، التي وضعت في طريقها على مدى أربع سنوات كاملة، ثم حملة التشويه التي شُنت عليها في خلال السنوات الأربع التالية، وصولاً الى بدء أعمالها يوم الخميس الماضي. في هذه الحالة، بل وفيها فقط، يمكن للبنانيين أن يفهموا معاني ما أورده المدعي العام من أدلة على طبيعة الجريمة الإرهابية التي أودت في ذلك اليوم من شباط العام 2005 بحياة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه وماهية الأيدي التي ارتكبتها مباشرة، فضلاً عن الجهة السياسية أو الجهات التي تقف وراءها.
في الفترة الأولى، وبعد المسارعة المفتعلة الى إزالة آثار الجريمة والعبث بموقعها ونقل السيارات المحترقة من المكان، لم يجد رئيس الجمهورية يومها اميل لحود (وطبعاً سلطة الوصاية السورية) ما يفعله سوى الاعتراض على إجراء تحقيق دولي بالجريمة، ثم انه عندما وافق تحت ضغوط محلية وعربية ودولية على إرسال الأمم المتحدة بعثة تقصي حقائق الى بيروت اشترط أن تبقى مهمتها ضمن هذا الإطار دون غيره، وأن يكون ما تقوم به مشتركاً بين لبنان والمنظمة الدولية، بمعنى أن تكون أعمالها تحت سلطة القضاء وأجهزة الأمن والتحقيق في لبنان.
بعد ذلك، وفي ظل ارتفاع وتيرة السيارات المفخخة وتزايد عمليات الاغتيال التي طالت سياسيين ونواباً ووزراء ورجال إعلام، وتوجه الحكومة الى مطالبة مجلس الأمن بإنشاء “محكمة ذات طابع دولي” كما وصفت في حينه حفاظاً على حد أدنى من التوافق الوطني بشأنها، اعتكف وزراء معروفون في تلك الحكومة (وزراء “شكراً سوريا”) ثم قدموا استقالة جماعية منها، في الوقت الذي كان يتم فيه إقفال مجلس النواب لشهور طويلة لمنعه حتى من مجرد الاجتماع للبحث في الموضوع.
في هذه الأثناء، كانت سلطة الوصاية تزرع ما وصف يومها بـ”شهود” كانوا يتبرعون من تلقاء أنفسهم بالتقدم من سلطات التحقيق اللبنانية تارة ومن أجهزة التحقيق الدولي تارة أخرى بغاية واحدة لا غير: تضليل التحقيق وصرفه عن مساره الطبيعي، وكان أتباعها في لبنان يرددون مقولتهم المعتادة عن كل من يخالفهم الرأي أو يطالب بإنشاء المحكمة الدولية، وهي أن هذه المحكمة إما أميركية أو إسرائيلية بالكامل، الى حد أن الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله عقد مؤتمراً صحافياً متلفزاً أرفقه بفيديوات وصور عن موقع الانفجار كما عن منزلَي الرئيس الحريري في قريطم وفقرا والطرق المؤدية اليهما ليحاول أن يلصق التهمة بالمخابرات الإسرائيلية… ثم ليحاول، بعد بروز أسماء أربعة من أفراد “حزب الله” كمتورطين في الجريمة، توجيه التهمة الى إسرائيل بأنها نفذت الجريمة وبأنها تعمل على الصاق التهمة بالحزب انتقاماً من دوره في تحرير الأراضي المحتلة في العام 2000 ثم في إفشال عدوانها على لبنان في العام 2006.
أما الحملة المنسقة، لبنانياً وسورياً وإيرانياً، على المحكمة والمحققين الدوليين من جهة، وعلى الأجهزة الأمنية والقضائية اللبنانية من جهة ثانية، وعلى وزيريَ العدل اللبنانيَّين شارل رزق وخالد قباني اللذين توليا التنسيق مع الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي من جهة ثالثة، فضلاً عن رئيسَي الحكومة في تلك الفترة الزمنية فؤاد السنيورة وسعد الحريري، فلم تكن تخفى على أحد لا في لبنان ولا في العالم ولا حتى في الأمم المتحدة ذاتها طيلة تلك الأعوام. كل هؤلاء صهاينة، ومعادون للمقاومة، وعملاء للمخابرات الأميركية والغربية والإسرائيلية، ومفبركو “شهود زور”، قالت الحملة على الدوام، ولا هدف لهم من إنشاء المحكمة والسير فيها سوى الإساءة الى سوريا و”حزب الله” وتشويه سمعتهما، وحتى ضرب “جبهة المقاومة والممانعة” في المنطقة والعالم…. من إيران الى سوريا الى العراق الى لبنان، وصولاً الى فنزويلا والبرازيل وكوريا الشمالية!.
هل نسيَ اللبنانيون كوميديا “شهود الزور” المضحكة المبكية لا سيما بعد قرار المحقق الدولي الإفراج عن الضباط الأربعة؟ أو نسوا ظهور أحد الشهود السوريين المزروعين في القضية (هسام هسام) مجدداً في دمشق وعلى شاشات التلفزة فيها لينفي كل ما قاله للمحققين الدوليين، ويتهم شخصيات في “تيار المستقبل” وفي قوى 14 آذار بأنهم اعتقلوه وعذبوه قبل أن يقدموا له رشاوى مالية ليقول ما قاله؟، أو حتى تظاهرة نواب الحزب ووزرائه في المطار لتهريب المدير العام للأمن العام السابق اللواء جميل السيد تحت عيون الإعلام وشاشات التلفزة لمجرد صدور مذكرة إحضار بحقه للمثول أمام المدعي العام التمييزي سعيد ميرزا لسؤاله عن تصريحات كان قد أدلى بها ضده وضد القضاء اللبناني على خلفية المحكمة الدولية وتراجيديا “شهود الزور” الذين لم يتوان السيد عن اتهام المدعي العام بأنه واحد منهم؟.
أم هل نسوا كلمات السيد حسن نفسه عن “الأعوام الثلاثة… أو الثلاثين… أو الثلاثمائة” التي قال إنه سيكون على المحكمة الدولية أن تنتظر فيها تسليم المتهمين الأربعة (لم يكونوا قد أصبحوا خمسة يومها) للمحكمة، أو وصفه اياهم بأنهم “مقاومون” و”قديسون”، أو حتى تحدي أي كان في لبنان أو في العالم كله بأن يحاول إلقاء القبض عليهم في أي يوم من الأيام؟.
ما أكثر “الاعترافات” الثبوتية، المادية والعلمية والنظرية والعملية، التي قدمها المجرم تدليلاً على مسؤوليته عن جريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري ورفاقه في الرابع عشر من شباط العام 2005 والجرائم الأخرى التي شهدها لبنان في خلال السنوات التسع الماضية.
“يكاد المريب يقول خذوني”، قالت العرب قديماً عن مثل هذه الحال من محاولات الهرب من العدالة. ولم يفعل مرتكب جريمة العصر في لبنان غير ذلك قبل تشكيل المحكمة الدولية وبعدها وحتى الآن.
وما شهدته لاهاي في خلال الأسبوع الماضي ليس سوى تأكيد المؤكد.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل