رزق لـ”المستقبل”: المحكمة تفرض نفسها بأدلّتها

كتبت كارلا خطار في صحيفة “المستقبل”:

أعاد مشهد المحاكمات في ملف اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري الى ذاكرة وزير العدل السابق ادمون رزق زمن العدلية، حين كان أهم القضاة يقفون “على القوس”، يقدّمون مرافعاتهم، وكانت العاصمة تغلق، والكل كان يريد الاستماع الى محامي الدفاع والادعاء والمدعي العام.. “كان الكل يتمتّع بالبلاغة والوعي، يقول رزق.

كل مجريات المحاكمات تثير الاهتمام. فالكل يستمع الى الأسماء بانتظار أن يسمّي القاضي أسماء الجهات المحرّضة أو التي دفعت المتّهمين الى القيام بهذا العمل الإرهابي.. إلا أن هذه المحكمة، تحاكم أشخاصاً معينين على أفعال محددة، أي أنها تسمّي أشخاصاً طبيعيين بأسمائهم الكاملة. المطلوب أن لا يستبق اللبنانيون الأمور والأحداث وكلام الشهود، فالمتّهم ليس طائفة ولا دولة ولا حزباً معيّناً، والكلام الذي صدر عن محامي الدفاع بإمكانه التأثير على مجريات المحاكمات، لأن القرار الأخير يكون للمحكمة فقط.

كذلك لا يمكن سوى الإشادة بالتقنية العالية التي استخدمها المحققون والقضاة، والذين استندوا الى ما توصّل إليه الشهيد وسام عيد في تحقيقاته، ما يدل على أن مسار التحقيق الذي اتّبعه الشهيد عيد على مستوى فائق من العالمية والدقّة.. ماذا يقول رزق عن التقنيات التي استخدمها المحققون، وكيف يقوّم ما توصّلت إليه المحكمة حتى الآن؟ وكيف يقابل عمل المحكمة بالتحقيقات والقضاء في لبنان؟

“إنها جريمة إرهابية وعمل إرهابي وتفجير إرهابي”، يقول رزق. ويتابع: “المستوى الذي رأيناه أثناء سير المحاكمات على درجة عالية من الاحتراف والتقنية المتقدّمة والراقية، حيث أخذت وقتاً طويلاً وتوصلت الى ما يصحّ اعتباره قراراً اتهامياً، ولكن كما قال الرئيس سعد الحريري، فإن المتهم بريء حتى تثبت إدانته”.

ويشرح رزق المحاكمة بشكلها أولاً: “القضاء فئتان: الواقف هو الادعاء العام باسم الحق العام والجالس هو من يحكم، وليس بينهما أي تداخل إلا في الدول التوتاليتارية والبوليسية وأنظمة أمنية حيث يصبح المتّهم هو الحاكم.

ولفت الى أن “ما شهدناه على مستوى التنظيم والأداء هو من أمنيات كل دولة أن يتمتع قضاؤها بهذه التقنيات”.

وتوجّه رزق الى كل مَن يسعون منذ الآن الى تقويم الأدلة والبراهين “فهو يكون بذلك يستبق الأمور، وهذه الأدلة مطروحة أمام المحكمة، من يطرحها هو المدّعي العام، والإدعاء العام هذا هو فريق والإدعاء الشخصي فريق آخر والدفاع فريق آخر أيضاً، أما المرجعية فهي المحكمة، وبالنتيجة فالقرار الأخير يبقى للمحكمة ولا يصحّ التكهّن ولا استباق الأمور لأن هذه التقنية المستعملة حديثة ظهرت معها الحاجة الى قضاة مؤهلين وأعتقد أنه منذ إنشاء المحكمة حتى انعقاد أولى جلساتها كان الوقت طويلاً للإعداد والاستعداد، أي استعداد القضاة لتولي هذه المهمة”.

وأشار رزق الى نماذج من هؤلاء القضاة الدوليين الذين شاهدناهم في المحكمة هنا في لبنان “هم عفيف شمس الدين ورالف رياشي ووليد العاكوم، وهؤلاء يعتبرون قمة النزاهة والتجرّد والعلم بالنسبة للقضاء”. وشدد على أن “هناك العديد من القضاة اللبنانيين الذين يشرّفون القضاء والمهمة ولكن القضاء في العموم يتعرض لنكبات ومسببات عديدة منها الطغيان السياسي على سلك القضاء”.

وأوضح أن “جلسات المحكمة ليست حكماً على “حزب الله” كما يتداول البعض أو حكماً على سوريا لأن هذه المحكمة لا تحاكم إلا الأفراد أي أشخاصاً معيّنين على أفعال محددة أي أنها لا تحاكم أحزاباً ولا طوائف ولا مذاهب بل مسؤولين بذاتهم، أي أشخاصاً طبيعيين وهوية كل منهم واضحة لعمل قام به بنفسه، ويُقال بأنه متّهم ويحاكم بنفسه ولا يُحاكم حزباً أو تُحاكم دولة.

وتابع رزق “الكل يردد أن الاهم أن يقول لنا القاضي في المحكمة من حرّض المتّهمين، ولكن لا يمكن للمحكمة أن تسمّي جهة إنما على المحكمة أن تسمّي أشخاصاً بأسمائهم، فالمحكمة تحاكم أشخاصاً معيّنين ارتكبوا أفعالاً محددة، وهذا المهم. لا يجوز القول إنهم كلهم من طائفة معينة ولا من حزب معين، ولكن الجهة التي حرّضت يجب أن تحمل اسماً أي أن تكون شخصاً طبيعياً، لذلك اليوم لا يصحّ الاستباق إطلاقاً”.

اليوم الاتهامات ولاحقاً الشهود، كيف تتوقّع سير المحكمة؟ يشرح رزق “تعرض الاتهامات اليوم، ولاحقاً سنستمع الى شهود وعلى الأرجح أننا لا نعرفهم ولا ماذا سيقولون، وهناك وقائع ومجريات وأصول تتبعها المحكمة للوصول الى نتيجة، وفي النهاية سيتم الوصول الى الهدف وهو شخص لديه اسم كما للمتّصلين أسماء”.

وماذا عن عدم اكتفاء محامي الدفاع بالأدلة؟ يقول رزق “فليطعنوا بالأدلة ليوم الطعن، أما من يقرر فهي المحكمة.” ويسأل “هل هناك مدّعى عليه يعترف؟ عادة يقال الاعتراف سيّد الأدلة، ومع ذلك حتى إذا اعترف الشخص بجرمه وكان هناك أدلة تدحض هذا الاعتراف وتدين غيره فيكون بذلك منتحلاً صفة المتّهم أو الفاعل”.

ويخلص رزق الى أن “هذه المحكمة كما ظهرت في هالتها هي محكمة ذات مستوى موثوق به وتفرض نفسها بالأدلة التي قدّمتها، وأمنيتنا أن يكون لنا في لبنان قضاء مثيل له خصوصاً وأنه يضمّ قضاة مشهوداً لهم، ولا شكّ أنه يفترض بأي قضاء أن يتمتع بهذا الإطار من الناحية التقنية والعملية والمتابعة”. وعلّق رزق على التحية التي وجهها القاضي في المحكمة الى روح الشهيد وسام عيد قائلاً “هذا يعني بأن التقنية التي استخدمها عيد في تحقيقاته ذات مستوى عالمي، واليوم ليس هناك من تقنيات مرصودة أو مخفية، وفي كل بلد يمكن الوصول الى مستوى من الجهوزية في القضاء كتقديم ضمانات للقضاء، ويمكننا القول بأن البلد الذي يشتهر بقضائه النزيه لا بدّ أنه سيستقطب العالم بأسره”.

وختم رزق متمنياً أن “يكون للقضاء في لبنان هذه المهابة علماً بأنه لا يعوزنا القضاة الأصيلين إنما يعوزنا أن نقدّم لهم الضمانات والحصانات، أما سير محاكمات المحكمة الخاصة بلبنان فتجعل اللبنانيين يثقون بأن العدالة موجودة وستأخذ مجراها، والتعامل مع الموضوع يجب ألا يكون بكثرة التأويل والتكهّنات، إنما على الجميع ترقّب الأحداث”.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل