مهما قيل، وأيا تكن المبررات التي سيقت وستساق في أوساط الاستقلاليين لتبرير مشاركة قوى ١٤ اذار في الحكومة جنبا الى جنب مع “حزب الله” من دون انتزاع تنازلات جوهرية في المضمون كنا قد اتينا على ذكرها هنا اكثر من مرة، لن نكون مع قيام حكومة تمنح “حزب الله” شرعية من جديد. لقد سبق ان قلنا لاصدقائنا الاستقلاليين: دعوا “حزب الله” وحده في الساحة وفي وحول سوريا. ليس من واجباتنا انقاذ “ماكينة القتل” هذه من ورطتها ايا يكن حجم تمثيلها المذهبي. ومن هنا نقول بكل وضوح اننا لو كنا في مجلس النواب وكان لنا ان نصوت على منح الثقة او حجبها متى تألفت الحكومة، لحجبناها تمسكا بسلاح الموقف الذي لطالما نادينا به لمواجهة “قتلة الداخل”. في مطلق الاحوال، يبدو أن “أجراس” توليد الحكومات بدأت تدق في كل مكان: هنا في باريس، وفي واشنطن، وفي الرياض، وفي طهران، وفي موسكو، وفي بيروت نفسها حيث قدم “حزب الله” ما يسمى بادرة حسن نية تمثلت في وضعه جانبا صيغة ٩-٩-٦، ثم، وحسبما قيل لنا هنا، تخلى عن هرطقة ما يسمى الثلث المعطل والوزير الملك، والاهم انه يقبل بشطب الهرطقة الكبرى التي تمثلت منذ “اتفاق الدوحة” بالثلاثية القاتلة للكيان “الجيش والشعب والمقاومة”. اضف الى ذلك انه يقبل بالمداورة الشاملة في الحقائب الوزارية بما يعني ان وزارتي الاتصالات والطاقة لن تعودا الى “التيار الوطني الحر”. لكن يبقى القصور الاساسي في ما يقدم لنا من نقاط “ايجابية” يفترض ان تصب في طاحونة الاستقلاليين في عدم اعلان “حزب الله” الانسحاب من سوريا، والذهاب الى طاولة الحوار الوطني مباشرة، حاملا في جعبته ورقته للاستراتيجية الدفاعية التي طال انتظارها لمناقشتها.
واضح ان رياح “الايجابية” الحكومية التي هبت بقوة مفاجئة في الاسبوعين الماضيين لها مصادر متعددة، وكل الاطراف المتصارعة – المتصالحة في المنطقة تؤيدها، وتريد ان تكون هذه الحكومة الآتية بعد ايام على قتل محمد شطح بمثابة اختبار لهدنة موقتة لا يُعرف مدى صلاحيتها، لكنها في نظر عواصم القرار الدولية والاقليمية افضل من دخول لبنان في نفق مواجهة مفتوحة على غرار سوريا.
ثمة من يرى أن تشكيل حكومة جديدة ضمن ما هو متداول هذه الايام هو في شكل او آخر اختبار أولي لتحييد الساحة اللبنانية عن الحرب في سوريا. وللمرة الاولى، ودائما بحسب الرؤية نفسها، ان الايرانيين الممسكين بقرار “حزب الله” كاملا يقدمون للاطراف الاقليمية والدولية نفسا ايجابيا، يأتي في سياق التقدم في تنفيذ المرحلة الاولى من الاتفاق حول النووي الايراني، وبالتزامن مع انطلاق اعمال مؤتمر “جنيف -٢” حول سوريا يوم غد الاربعاء.
مع ذلك، وبالرغم من كل ما سمعناه هنا بالتفاصيل التي لن نسردها اليوم حول ايجابيات الدخول في الحكومة العتيدة، فإننا نتمسك مع المتمسكين بموقفهم الرافض لمنح “حزب الله” شرعية الجلوس معه على طاولة واحدة في الوقت الحاضر. و يبقى اننا اليوم اكثر اقتناعا من اي وقت مضى بوصفنا لهذا التنظيم بـ”ماكينة القتل”.