“وإنك لم تعد ترمي علينا
سياط الوهم من صنع الخيال
وإني سوف أفضحك بشعر
شديد الكشف معدوم الظلال
لتبدو للجميع إمام فسق
يؤذن للإمامة بالضلال”
ما لنا ولهذه القصة اليوم، ولا يمكنني الجزم بمن كان يعني الكاتب الممانع في حديثه عن الحماقة، لكن المؤكد أن مَن ارتكب الجريمة فكّر ملياً قبل ارتكابها، ولم يكن أحمق، ولكنه ظن أن الجريمة لن تكشف تفاصيلها، وأنه قادر على تعطيل مسار التحقيق إلى درجة تمنع بلوغ مرحلة المحكمة.
ولكن بالتأكيد كان هناك أحمق ما، وهو غير مصطفى بدر الدين عندما اتصل بصديقته. الأحمق هو من دفع ثمن الجريمة مباشرة بعد حصولها، وهو بالتأكيد نظام بشار الأسد. لقد اتُهم النظام مباشرة من قبل الناس والمجتمع الدولي بأنه من ارتكب “الحماقة”، وانسحبت قواته ذليلة مهرولة من لبنان أملاً بحفظ رأس النظام من التداعيات، ووُضع النظام لعدة سنوات في الحجر، وتحاشت معظم الدول التعامل معه، ومن تواصل معه فقد كان سراً تحاشياً للإحراج.
هذا لا يعني أن بشار الأسد كان ضحية بريئة، ولكنه استُدرج إلى المشاركة في الجريمة. لقد أقنعه القَتَلَة باغتيال رفيق الحريري من خلال تأكيدهم أن ضحيتهم يشارك في مؤامرة ضد النظام في سوريا، وأن رفيق الحريري لا يحترم بشار، وعلى كل الأحوال فإن الود كان مفقوداً بالكامل معه. لكن القانون لا يحمي المغفلين.
في تلك الفترة كان القاتل يبتسم ابتسامة الظافر، فقد قتل القتيل ومشى بالجنازة، وضاع الاتهام في متاهات السياسة والفوضى.
لقد جنى القاتل أيضاً فوائد لم تكن محسوبة بدقة من خلال اتهام شريكه، فخرج بشار الأسد من لبنان، وخلت له الساحة الأمنية والسياسية، وصار يسرح ويمرح من دون ضوابط في طول البلاد وعرضها. الأهم هو أن بشار الأسد تحول إلى رهينة بالكامل لمشروع ولاية الفقيه، ولم يعد له حق حتى الاقتراح في المسائل المفصلية.
لا شك في أن الخديعة بدأت تتكشف لبشار الأسد عندما تأكد أن “حزب الله” استقل عنه بشكل واسع في القرارات الأمنية والسياسية في لبنان، وبدأ يدخل حكومات مع قوى آذار، عدوة النظام السوري. كما أن التقية التي مارسها حزب الله بخصوص المحكمة في بداياتها، أي عندما كان النظام السوري المُتهم الوحيد، دفعت بشار الأسد إلى إدراك أنه أصبح كالزوج المخدوع. لكن مشاركته في الجريمة لم تكن لتسمح له بقلب الطاولة على شركائه، وفضح تفاصيلها.
كان ذلك إلى أن بدأت التسريبات تتحدث عن تورط “حزب الله”. ما هو مؤكد اليوم هو أن التسريبات حول موضوع المحكمة لمجلة “دير شبيغل” أتت عبر أتباع النظام السوري، ويقيني هو أن هذا الفعل كان بهدف تخفيف الضغط على هذا النظام، أو مقدمة لصفقة ما، أو لإنذار “حزب الله” بأنه لن يتمكن من النأي بنفسه عن الجريمة.
شهود عيان أكدوا أن بشار الأسد ساوم على علاقته بـ”حزب الله” وإيران مع رئيس فرنسا نيكولا ساركوزي، ومن بعدها مع السعودية. لا يمكنني اليوم الجزم إن كان بشار الأسد صادقاً أو مجرد مخادع عندما طلب من ملك السعودية “المساعدة من إخوته العرب للتخلص من الهيمنة الإيرانية في سوريا!”، ولكنه طلب إعطاءه وقتاً كافياً لذلك لأنه “يخاف من مصير مماثل لمصير أنور السادات إن خرج من تحالفه مع إيران بشكل مفاجئ!
هذا كان العنوان الذي دخل به بشار الأسد على السين سين، ولكن المعضلة بقيت بالنسبة إليه وهي كيفية التخلص من تداعيات المحكمة الدولية طالما أنه شريك، ولو جزئي، في الجريمة، من خلال المعرفة المسبقة على الأقل.
اليوم لا يمكن التأكيد إن كان بشار يريد بالفعل الخروج من التبعية لمشروع ولاية الفقيه، أو رغب بالانتقام منه لخديعته في مؤامرة اغتيال رفيق الحريري، أو أنه كان بالأساس يشتري الوقت ويضع اللبنانيين والعرب والقوى العالمية في موضع الحائر. لكن الأحداث اليوم في سوريا تجاوزت قضية المحكمة لأن التاريخ حكم على بشار الأسد وأنهى حكمه عملياً وهو الذي ظن أنه باقٍ إلى الأبد، وأفراد “حزب الله” يتساقطون بأثمان بخسة في سوريا في محاولتهم اليائسة لحماية أسطورة سخيفة.
حسنة المحكمة الأساسية اليوم هي أنها ستتمكن بالأدلة الجنائية من أن تعرّي قادة تنطحوا سنوات للحديث عن الأخلاق والمناقبية، فيظهرون اليوم على حقيقتهم بأنهم مجرد قتلة ومجرمين تافهين مهما كانت ألقابهم.
() عضو المكتب السياسي في تيار “المستقبل”