| مطالبة حزب الله بتشكيل حكومة وحدة وطنية إعلان صريح بفشل خياره بإسقاط حكومة الحريري السابقة المحكمة الدولية لم تسقط وخيار ضم لبنان للمحور السوري – الإيراني مرفوض من اللبنانيين المفارقة المؤلمة، أنه أصبح قيام حكومة وحدة وطنية بمشاركة أساسية من زعيم «تيار المستقبل» سعد الحريري مطلباً للحزب الذي فشل في إيجاد بدائل سياسية أخرى بقوة سلاحه |
منذ ثلاث سنوات بالتمام والكمال، أسقط الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله والرئيس السوري بشار الأسد حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري، تحت شعار رفض الحكومة مناقشة ملف «شهود الزور» الوهمي الذي فبركه أزلام النظام السوري – الإيراني، لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية مهمّة، أولها إلغاء خصمهما السياسي الأبرز، زعيم «تيار المستقبل» من المعادلة السياسية بالكامل، أو إزاحته من الساحة السياسية ولو مؤقتاً بالترهيب والتهديد، وثانيهما، تطويق كل إجراءات المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة المتهمين بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتقييد تنفيذ التزامات لبنان المالية والقضائية تجاهها لمنعها من إكمال مهماتها في كشف القتلة الذين باتوا معروفين بانتماءاتهم، وثالثها، ضم لبنان عنوة لصفوف المحور الأسدي – الإيراني الجهنمي خلافاً لرغبة الأكثرية الساحقة للبنانيين في مواجهة الحلف العربي بزعامة المملكة العربية السعودية وذلك لإبقاء لبنان ورقة مساومة في يد حكام طهران لتحقيق مصالحها الاستراتيجية مع الغرب وساحة مستباحة لنفوذ نظام الأسد ومطامعه.
لم يستطع التحالف المذكور بعد ثلاث سنوات تركيب معادلة سياسية متمكّنة وقادرة على الحلول مكان خصمه السياسي الأبرز، برغم كل مقوّمات الدعم السياسي والترهيب بسلاح «حزب الله» الذي تنقّل عبر تنظيمات وأحزاب مستنسخة ووهمية، من الشمال الى بيروت وصيدا والبقاع، ولم تنفع شلالات المال الإيراني «النظيف» في ترسيخ زعامة سياسية بديلة تشكل دعامة قوية وقادرة على الدفاع عن هيمنة ومصادرة التحالف المذكور للحالة السياسية بسلطة السلاح غير الشرعي. فالحكومة البديلة برئاسة نجيب ميقاتي، بقيت عاجزة عن ملء الفراغ الذي تركته حكومة الوحدة الوطنية السابقة، بفعل قلّة ثقة الناس بأهلية الحكومة الجديدة المفروضة عليهم فرضاً بقوة السلاح غير الشرعي لحزب الله من جهة وعدم أهلية القائمين عليها بإدارة السلطة وممارسة الحكم، إمّا لقلّة خبرتهم، أو لعدم تمتعهم بالكفاءة والخبرة المطلوبة لهذه المهمة، مما أدى الى تراجع فاضح في هيبة الدولة ككل وإدارة الشأن العام وتردّي الوضع الأمني وتدهور مخيف للوضع الاقتصادي حتى بات يقارب حافة الانهيار بسبب العزلة العربية والدولية التي تسببت بها ممارسات الحزب واستباحته لكل مقومات الدولة ومؤسساتها.
بعد ثلاث سنوات، لم يعد «حزب الله» وحليفه المتهاوي بشار الأسد قادرين على ترسيخ أقدامهما في لبنان بفعل نشوب ثورة الشعب السوري ضد نظام الطاغية، وأصبحت الأرض تميد من تحت أقدامهما، ولم يعودا قادرين على فرض التركيبة السياسية التي يريدونها كما كان يحصل في السابق وخلافاً لرغبة وإرادة معظم اللبنانيين، ولم تستطع كل الممارسات وعمليات القتل والاغتيال في ترهيب خصومهم أو تجاوز دورهم وأوزانهم السياسية أو تقليص أعداد مؤيّديهم من كافة الفئات والتوجهات على مختلف الأراضي اللبنانية.
وللمفارقة المؤلمة، أصبح قيام حكومة وحدة وطنية بمشاركة أساسية من زعيم «تيار المستقبل» سعد الحريري مطلباً للحزب الذي فشل في إيجاد بدائل سياسية أخرى بقوة سلاحه وأصبح يدور في حلقة مفرغة لا نهاية لها بعد تورّطه في الحرب الدائرة في سوريا بإيعاز من مشغّليه في طهران وخلافاً لرغبة كثيرين من مؤيّديه، ولاستدراك نتائج ومؤثرات المتغيّرات المتسارعة بفعل الاتفاق الأميركي الغربي مع إيران وما يمكن أن يحمله مؤتمر «جنيف2» لحل الأزمة السورية من مفاجآت وتداعيات لا يمكن مواجهتها إلا بالعودة للتفاهم السياسي الداخلي، بعدما ظهر أن اللجوء الى السلاح لا يمكن أن يحقق الغلبة لمالكه وحامله كما حدث مع نظام الأسد المتحالف مع طهران، وأصبح الآن في وضع صعب وتآكل لا يُحسد عليه، قياساً على ما كان عليه في السابق.
وبعد ثلاث سنوات من إسقاط حكومة الوحدة الوطنية باحتفال فولكلوري مقزز، بدأت المحكمة الدولية بمحاكمة المتهمين بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وكلهم ينتمون لحزب الله وأصبحت المحكمة واقعاً لا يمكن الالتفاف عليه أو تجاوزه أو إنهاءها بأي شكل من الأشكال وذهبت كل ممارسات «حزب الله»، قتلاً، وترهيباً وتهديداً واحتلال الساحات وإغلاق المجلس النيابي وتعطيل الحكومة، وتفريخ التنظيمات وتسليح الشبيحة وتوزيع عشرات ملايين الدولارات لشراء الذمم وتشويه المحكمة، ورشوة المحطات الإعلامية والصحف أدراج الرياح، وأصبح التعاطي مع المحكمة ملزماً بتعيين المحامين للدفاع عن المتهمين وأمراً مقبولاً لتفادي الأسوأ في حال أُدين هؤلاء بأحكام صادرة عن المحكمة بالجريمة الإرهابية وعندها يتحمّل الحزب وزر ومسؤولية القيام بها إذا لم يبادر الى اتخاذ خطوات ملموسة للتبرؤ من المتهمين ومما قاموا به.
وكما فشل خيار تركيب سلطة وهمية خلافاً لنتائج الانتخابات النيابية السابقة وتوازن القوى السياسية، وتعطيل المحكمة الدولية، كذلك لم يلقَ هدف ضم لبنان الى المحور السوري – الإيراني النجاح المطلوب، لأن اللبنانيين بأغلبيتهم الساحقة أظهروا أنهم ضد سياسة الانضواء في الأحلاف والمحاور، أياً تكن، فكيف إذا كان ضمهم بالقوة لحلف يخالف مشاعرهم وبيئتهم وانتماءهم ومصالحهم الطبيعية؟
ولذلك، بعد ثلاث سنوات حافلة بالتحدي والترهيب والتهجير السياسي القسري والاغتيالات، وعدم الاستقرار والتردي الأمني والاقتصادي المتنقل من منطقة لأخرى أصبح اللبنانيون على قناعة بوجوب العودة الى احترام إرادة الشعب والتلاقي في إطار المؤسسات الدستورية وتفعيل الدولة لتلافي الأسوأ ومنع إنهيار الدولة ككل.