#adsense

الضاحية المفجوعة تنتظر ..الفرج

حجم الخط

 

انفجار، شهداء، جرحى، عبارات باتت تختزل الواقع اللبناني جرّاء موجة الانفجارات المتكررة التي تطاله بشكل متواصل. بالأمس كانت منطقة حارة حريك في الضاحية مجدداً على موعد مع الارهاب، سيارة من نوع “كيا” رباعية الدفع حصدت خمسة شهداء واكثر من ثلاثين جريحاً في صورة مؤلمة باتت تلازم سكان الضاحية على الدوام، وكأنه كُتب على هذه البقعة ان تدفع الثمن في زمن السلم كما في الحرب.

في لحظة ما يتوقف الزمن وتصبح الحياة اكثر قساوة وتضيع معها الاحلام بعد ان يصبح الناس مجرد اشلاء يُصعب جمعها ولو في الخيال، الصراخ ذاته والوجوه ذاتها تتكرر مع حصول كل تفجير، حتى المستنكرين اصحاب الاطلالات المتلفزة هم ذاتهم وكلامهم يتكرر على الدوام، فيما الصرخات والاستغاثات التي تخرج من اعماق الناس واوجاعها لم تعد تجد لها مكاناً ولم تعد تُجدي نفعاً، وليصبح العجز سيد الموقف امام هول الصدمات المتلاحقة.

في اللحظة التي يقترب فيها شبح الموت منهم ويشاركهم يومياتهم لا يعود لهم مفرّ من الهروب منه فيتقبلونه ولو بخجل وبرؤوس منحنية ليُصبح جزءاً اساسياً من حياتهم او مما تبقى لهم من حياة يتحسسونه عن قرب يعيشون لحظاته القاسية والموجعة وكأنهم يخوضون حرب بقاء او موت تحت رايات تأكلها النار التي كانت تلتهم كل ما يصادفها او ما تيسر لها بخجل خشية ان تراها عيون الايتام المودعة وصيحات النساء الثكلى بينما تضرّع العاجزون عن فعل اي شيء لكي تتحول النار الى برد وسلام على اجساد الابرياء. سيدة عجوز هالها المشهد المرعب وقفت في مكانها تصرخ، “يا الله دخيل اسمك ما عاد إلنا غيرك”.

صوت التفجير وصل الى مكان عمله الواقع عند طرف الضاحية، بلباسه الاسود وشيبته التي تلوّنت بلون الدخان الاسود كانت الصرخات تخرج من عيونه التي كانت تبحث عن فلذة كبده، يسأل عن حسين، وما اذا كان اي من اصحابه قد رآه، “يا ويلي حبيبي وينك يا تقبرني” بعضهم اكد له انه بخير وان جروحه طفيفة وقد تم نقله الى المستشفى والبعض الآخر لم يره، حالات كثيرة مماثلة لوالد الفتى حسين وصلت الى مكان التفجير لتبحث عن اقرباء لها منهم من اطمأن قلبه ومنهم من افجعته المصيبة وبدّلت ملامحه وحال لسانهم واحد “لا حول ولا قوة الا بالله”.

بالامس لم تنفع الحواجز الإسمنتية ولا الإنتشار الامني المكثف للعناصر الحزبية ومعها القوى الامنية من وقوع تفجير انتحاري في محلّة الشارع العريض في حارة حريك والذي لا يبعد سوى امتار قليلة عن مكان التفجير الانتحاري الذي وقع منذ شهر تقريباً حاصداً العدد ذاته من الضحايا وهو الامر الذي يدعو الى التساؤل حول اهمية هذه النقطة تحديداً بالنسبة للجهة المسؤولة، لكن في ظل هذه التساؤلات هناك من خرجوا بالامس عن صمتهم في الضاحية وسألوا “الى متى سنظل نُقتل بدم بارد ومن المسؤول عن قتلنا؟”.

مأساة اخرى تُضاف الى كل تفجير يحصل في لبنان، انها مأساة الاتصالات التي تحول دون الاطمئنان على الاقارب والاصحاب الامر الذي يدعو معظم الناس للتوجه مباشرة الى المكان المستهدف للإطمئنان بنفسها وهذا ما ظهر جلياً على وجه سيدة كانت تحاول الاطمئنان على ابنتها وهي تشكو امرها لله في بلد لا توجد فيه ادنى الخدمات، فتحاول لملمة ذعرها وكفكفة دموعها متوجهة الى اقرب مستشفى علها تُطفئ حرارة غليانها عوض محاولاتها المتكررة والميؤوس منها.

في الضاحية الجنوبية اناس ينتظرون دورهم على الدوام خصوصا أنه لا يبدو ان هناك حلاً جذرياً لمعضلة قتلهم المتواصل بعدما تحوّلت اعمارهم وسنينهم الى مجرّد صدىً تُجمع ذكراها من بين لهيب النار والدخان الاسود. في الضاحية الجنوبية هناك من ينتظر خطوة ولو صغيرة تعيد اليه الامل في حياة موعودة بحلم الاجيال المقبلة قبل ان تتحول احلامهم ايضا الى مجرّد ذكرى في بلد قد لا يبقى منه سوى الذكريات.. الأليمة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل