لكن ما الذي يبحث عنه هذا الشاب بالتحديد؟ ما الذي يطالب به، ولمن يتوجّه؟ ما هو الأكثر حماسية بالنسبة إليه، وما هو الأكثر جدوى كما يتبدّى له؟ أن يحمل السلاح بدوره لمقاتلة “التكفيريين” في سوريا، وطرابلس، وعرسال؟ أن يعطي الأولوية لمسائل تتعلّق بمراقبة المداخل وحراسة الشوارع والحارات؟ أن يحثّ على الانتشار في المزيد في المناطق المتاخمة للضاحية الجنوبية وذات السمة الطائفية المختلطة أو المغايرة؟
كل هذا جُرّب ويمكن اعادة تجربته بنسب متفاوتة. لكن شبحاً يرتسم بعد كل انفجار، شبح يخاف هذا الشاب من وصفه، ومن تخيل وجوده، ومن المقارنة البديهية التي ستطرأ حينذاك، لكنه في الوقت نفسه شبح لا يمكن تحاشي تخيّله، وتفادي وروده على البال، حالما يستذكر الزمن الجميل للأمن والأمان في الضاحية، الذي لم يكن يعكّر صفوه غير بعض الاشتباكات بين هذه العائلة أو تلك، وأحياناً بين العائلة الفلانية ومسلحي الحزب.
فهذا الشاب، اذا ما أراد التفكير بأن القتال ضرورة في سوريا، ولا خيار آخر، وبأن التغلّب هو المسلك الأصلح للمقاومة تجاه الطوائف والمناطق الأخرى، ولا بديل منه، لم يعد بامكانه بعد ذلك أن يتخيّل حماية الضاحية الا بتخيّل سور واقٍ، أو جدار آمن. لئن كان الارهابيون الذين يستهدفون منطقته وأهله يمثّلون “الهمجية” بالنسبة اليه، فإن القلعة لا بد لها من سور.
لنسلّم جدلاً للحظة واحدة مع “حزب الله” أنه ليس ثمة علاقة بين تدخله في سوريا وبين الاستهدافات التي تتعرّض لها المناطق الشيعية، لا سيما “الضاحية الجنوبية”. حينها، سيشتد حضور “الجدار الأمني” المطلوب في المخيلة الجماعية اذا ما أرادت أن تبحث لنفسها عن ملاذ، لأنه اذا لم تكن هناك علاقة بين هذه الهجمات وبين قتال الحزب في سوريا، اللهم غير “المصادفة”، فهذا يعني انه لم يعد هناك من تفسير لكيفية توقف هذه الهجمات، وأنه يمكن أن تتواصل اليوم وغداً وبعد مئة سنة. أن لا تكون هناك علاقة بين قتال الحزب في سوريا وبين قتال الارهابيين لسكان الضاحية فهذا يعني وجوب انشاء حزام فاصل، جدار آمن، أي وجوب التحصّن كولونيالياً، من الهمجية العشوائية “التكفيرية”.
انه بمثابة قدر “حزب الله”: من يريد أن يلعب لعبة “انتم الهمج وأنا المستعمر الداخلي” عليه أن يتلبس الدور الاستيطاني حتى النهاية، ومن أراد القتال الاستباقي في سوريا عليه أن يبني “السور الواقي”.