استأنفت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان جلساتها، عند العاشرة صباحا بتوقيت لاهاي، الحادية عشرة بتوقيت بيروت، في حضور هيئة المحكمة، واستمعت الى عدد من شهود الادعاء.
واستهلت الجلسة بكلمة لرئيس غرفة الدرجة الأولى القاضي ديفيد ري أعلن فيها أن “المحكمة الدولية ستستمع الى افادات الشهود”، وقال: “نتوقع أن نستمع اليوم إلى شاهدين، ونأمل الاستماع إلى ثالث”.
ثم تم عرض صور وأسماء، إضافة إلى السير الذاتية للشهداء الذين سقطوا في الانفجار الذي استهدف الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وذلك بحسب الترتيب الأبجدي لاسم العائلة بالفرنسية: يحي العرب، رفيق الحريري، صبحي صالح الخلف سوري الجنسية، عمر المصري، محمد صالح المحمد سوري الجنسية، مازن عدنان الذهبي، جوزيف اميل عون، ريما بزي، عبدو توفيق بو فرح، زاهي حليم أبو رجيلي، يمامة كامل الضامن، محمد سعد الدين درويش، باسل فريد فليحان، عبد الحميد غلاييني، محمد حسين رياض غلاييني، رواد حسين سليمان حيدر، فرحان أحمد العيسى سوري الجنسية، طلال نبيه ناصر، آلاء حسن عصفور، هيثم خالد عثمان، وزياد محمد طراف.
الشاهد الأول
وبدأ القاضي الكس ميلين باستجواب الشاهد الاول، وهو شقيق الشهيد محمد سعد الدين درويش، سعد الدين درويش الذي أشار إلى أن “شقيقه كان يكبره بست سنوات ولديهما اختان، ويعيشون في المنزل نفسه، وكان هو يتابع دروسه في المدرسة فيما كان يعمل محمد عند الرئيس الحريري وكان سعيدا في عمله، وقد أمضى 5 سنوات في العمل لديه”، وقال: “في 14 شباط كان يعمل في استديوهات تلفزيون المستقبل في سن الفيل، حين حصل الانفجار، وعندما سمع اسماء الشهداء علم بأنه الرئيس الحريري والشباب الذين معه وركضنا لمعرفة ما جرى”.
ولفت إلى أنه علم ب”استشهاد شقيقه عبر الشاشات وعند إذاعة الاسماء”، مشيرا إلى أنه قد طلب منه التعرف إلى شقيقه، وقال: “شقيقي كان من دون رأس ويدين ورجلين، فكان يوجد الصدر فقط، الجثة كانت مشوهة وممزقة”.
وعن ردة فعل العائلة وتأثير الفاجعة، قال: “أبي تحطمت أسنانه، وأختي وقعت وكسر ضلعها وما زالت الى الآن تعاني، أمي منهارة معظم الوقت. إن شقيقي كان يعيل العائلة، وأنا كنت أعمل بدوام جزئي”.
سئل: هل تبدلت حياتك؟
أجاب: “نعم، كنت الصغير فأصبحت المعيل، بلا مدرسة، وحياتي كانت من اجل العمل والانفاق على أفراد عائلتي والاهتمام بها. اصبحت المسؤول عن المنزل من بعد أخي. أهلي يعانون المرض، ومرضهم يزداد، وانا المعيل الوحيد لهم”.
وسأل الممثل القانوني للمتضررين القاضي بيتر هينز الشاهد عن معاناته الشخصية، فقال: “منذ الحادثة، وأنا أعاني من ألم دائم في معدتي. ومنذ أن تعرفت إلى شقيقي، وهذا الالم يلازمني، وهو ما زال مستمرا، اضافة الى ما يدور في خيالي. لقد راجعت العديد من الأطباء للتأكد من أن الألم دائم ولا علاج له، والطبيب هو علي الخليل الذي اجرى لي 3 مناظير لمعدتي”.
سئل: لماذا لم يخطر ببالك أن أخيك حي؟
أجاب:”اتصلت بالقصر، وقالوا إنه بحال جيدة، ولكن الانفجار دفعني الى التفتيش، فذهبت الى مستشفى نجار، حيث رأيت احد المرافقين، واخبرني عن مصير اخي”.
ووافقت المحكمة على اعتبار شهادة درويش دليلا من ادلة المحاكمة، بعد عدم معارضته من أي كان.
الشاهد الثاني
ثم كانت افادة الشاهد الثاني ممدوح محمد طراف شقيق الشهيد زياد طراف، الذي بعد أدائه القسم، قال: “كان زياد مع الرئيس الحريري في الانفجار، وكان أصغر مني بسنتين وهو المرافق الشخصي للرئيس الحريري، كان يحب عمله كثيرا، ويتعامل مع الرئيس كأب وأخ وصديق وليس كرئيس وزراء. لقد بدأ أخي العمل لصالح الحريري منذ عام 1987 وحتى عام 2004. زياد كان متزوجا منذ 4 سنوات قبل استشهاده، ويعيش معنا في المبنى نفسه، وكنت أراه كل يوم. ومنذ استشهاد الحريري، ضمني الرئيس سعد الحريري الى مكتبه الاعلامي، وأصبحت مصوره الخاص، وما زلت حتى اليوم أعمل معه”.
وردا على سؤال، قال: “يوم الانفجار كان شقيقي ينتعل حذائي، وكنت في تلفزيون المستقبل، لكننا لم نعرف ان الانفجار قد استهدف الرئيس الحريري. ذهب الشباب للتصوير، كانت فوضى في التلفزيون، وسمعنا ان الرئيس استشهد. لم يتأكد احد انه هو، وبعد نصف ساعة، أتت أمي الى التلفزيون لتقول لي ان زياد لا يرد على الاتصال. ذهبت الى قصر قريطم لمعرفة الامر، وبدأنا نفتش عن الشهداء في المستشفيات، وقد مررت عليها اكثر من مرة. وفي مستشفى الجامعة الاميركية منعتني عناصر قوى الأمن من الدخول الى البراد، وبعد ان عرف عني احد مرافقي الحريري دخلت ووجدت اخي قرب الرئيس الحريري. لم يتعرف اهلي عليه بسبب الحروق. أما أنا فعرفته من الحذاء ومن رجله التي فيها 6 اصابع، فوجهه المشوه ما زال في بالي إلى الآن”.
وقال:” عندما وقع الانفجار، كنت بعيدا 4 كلم عنه، من السان جورج الى تلفزيون المستقبل في الروشة. وعندما سمعت دوي الانفجار، لم أصدق انه يستهدف الحريري”.
أضاف:” لدى أخي ولدان، كان يبلغ أحدهما سنة ونصف سنة، والثاني ثلاث سنوات ونصف سنة. لقد تركتهما والدتهما منذ سنة، وعادت الى منزل أهلها. وانا ووالدتي، رغم أن صحتها ضعيفة نربي الاولاد. ومن جهتي، لدي 3 أولاد، وتوفي والدي عام 79″.
وقال :”قبل وصوله الى منزله، كان أخي يمر الى منزل العائلة للاطمئنان الى أمه، فهو خسارة كبيرة لنا جميعا ولا تعوض، لقد كان معيل العائلة”.
وعن وقع وفاته على العائلة وتأثيره عليه، قال: “غيابه خسارة كبيرة لا تنسى لي ولأولاده. كنت اراه يوميا كأخ ورفيق وصديق، فأخي الكبير يعيش في هولندا، وهو متزوج. اصبحت أعاني من فراغ كبير”.
سئل: تعمل في قسم التصوير الخارجي، هل كان يطلب منك الانتقال الى مكان الحادث للتصوير فور حصوله؟
أجاب: “لم يطلب مني لان دوامي لم يكن قد بدأ بعد، وهو كان عند الرابعة بعد الظهر. جئت الى التلفزيون قبل ذلك، وقد ذهب المصورون الذين كانوا في دوامهم، لكن عندما علمت ندمت أنني لم أذهب”.
وعن عامر شحادة قال: “عندما رأيته اطمأنيت ان اخي معه، كنت اتصل بزياد بعد مجيء امي لكنه لم يجب، تركت التلفزيون بعد ذلك، واخذت امي الى البيت، وعدت الى التلفزيون، وعرفت باسشتهاد الرئيس الحريري، فعدت الى قريطم وعرفت أن زياد استشهد. كانت هناك حال من الفوضى، فمنهم من قال انه استشهد، ومنهم من نفى وبدأت جولتي على المستشفيات الى ان وجدته. وساد غموض حول مصير المستهدفين”.
وفي الختام، شكر الطراف المحكمة. كما شكر للرئيس سعد الحريري والسيدة نازك على مساعدتهم ووقوفهم مع العائلة.
ثم تلا القاضي راي قرارا شفهيا في شأن اشعار الادعاء حول خطة العمل، قبل ان يرفع الجلسة عند الاولى من بعد الظهر بتوقيت بيروت.
الشاهدة الثالثة
وبعد استراحة، استؤنفت الجلسة بالاستماع الى الشاهدة الثالثة من شهود الادعاء في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وهي المحققة روبن فرايزر التي قالت: “كنت اعمل في استراليا كشرطية في مهام عامة، كنت ضابطة في الشرطة الفيدرالية في سيدني منذ عام 2000. وفي عام 2004، بدأت العمل كمحققة وخضعت لتدريبات وحققت في عدد من الجرائم الكبيرة، وختاما في قسم مكافحة الارهاب. وعندما انضممت الى فريق عمل المحكمة اخذت اجازة من دون راتب. لقد عملت محققة في لبنان لمدة سنتين في مجال تحليل كاميرات المراقبة من آب 2009 الى آب 2011. كنت أعمل في مكتب المدعي العام. واجهنا بعض الصعوبات في معرفة اي من نسخ كاميرات المراقبة كانت الاصلية، لكن تأكدنا من ذلك لاحقا. كان هناك نوعان من الاشرطة المجموعة، الاولى تتضمن صورا مفككة العناصر، ومجموعة اخرى مشابهة للتي كانت في حوزتنا. ولا بد من ان تكون النسخ على الاقراص الصلبة نسخة ثانية لان النسخ الاصلية كانت على شريط VHS”.
أضافت: “أخذنا التسجيلات الى شرطة العاصمة في المملكة المتحدة لندن لانها تملك التقنيات لفك التعدد. وتمكنا من مشاهدة اشرطة الفيديو بانفسنا، فهناك تفاصيل ناقصة، ونقص لثوان معدودة في التسجيلات”.
وعرضت فرايزر صورا لنفق سليمان فرنجية تعود الى 14 شباط 2005، وأكدت ان “نظام المراقبة بالكاميرات جيد، ولا يتطلب الكثير من الصيانة”، وقالت: “علمنا أن التوقيت والتاريخ في الكاميرات يحدد من قبل ممثل من شركة سوليدير، ويضعها مشغل يدويا. لم يعرف الشخص الذي زودنا بالمعلومات عن نظام المراقبة متى يتم وضع الوقت والتاريخ”.
أضافت: “ما من كاميرات تصور مقدمة السيارات، وهذا امر مؤسف، لكنها طبيعة الكاميرات الموجودة. هناك عدد من الثغرات في الشريط، وهي لقطات متتابعة، وليست متتالية”.
ثم رفعت الجلسة للاستراحة عند الأولى وخمسين دقيقة بتوقيت لاهاي.
وعند الثالثة تماما بتوقيت لاهاي، استأنف القاضي راي الجلسة باستكمال الاستماع الى الشاهدة الثالث روبن فرايزر.
وعند الخامسة مساء بتوقيت لاهاي، رفع القاض راي الجلسة لاستكمال الاستماع إلى الشهود، الى العاشرة من صباح غد الخميس.