كتبت إيفا الشوفي في صحيفة “الأخبار”:
«شبعا ترحّب بكم». هذا في المبدأ، أمّا في الواقع فأهالي بيت جن السورية هم الذين يرحبون بكم.لا مبالغة في هذا الكلام. فمن يعرف شبعا يعلم جيداً أن هذه البلدة القابعة على سفح جبل الشيخ تصبح شبه مهجورة في الشتاء. إلا أنّ الواقع اختلف منذ سنة بنحو جذري. شبعا اليوم مكتظة بالسكان، بعدما لامس عدد النازحين السوريين إليها عتبة 6 آلاف نازح
إيفا الشوفي
يتوزّع الأطفال على جوانب الطرقات، يُلهون أنفسهم ببقعة ثلج أصبحت ساحة لعب لهم، ساترين أنفسهم بثياب لا تقيهم رياحاً آتية من جبل الشيخ مشبعة بضحكاتهم التي تركوها خلف هذا الجبل ومحمّلة برائحة بارود هربوا منها. البحث عن أحد أبناء شبعا، لنستدلّ منه على ساحة البلدة، كالبحث عن إبرة في كومة قش. لكنّ السوريين هنا باتوا يعرفون جميع طرقات البلدة وأحيائها.
على مدخل البلدة يستوقفك مشهد لحّام على وشك أن يذبح عجلاً، يحيط به ثلاثة أولاد سوريّين لم يتجاوزوا العاشرة من العمر. يمرّر سكّينه من دون أن يرفّ لهم جفن. لم تعد الدماء تخيف أولاد سوريا، حتى مشهد الذبح اعتادوه، فمن يعلم ماذا تكتنز ذاكرتهم من مشاهد فظيعة كانوا إمّا شهوداً عليها أو أبطالها؟ تمضي إلى ساحة البلدة وعيون الأطفال مسمّرة على اللحام. ساحة البلدة تعجّ بالناس، ما يعطي حيويّة ويلطّف أجواء الطقس القارسة. المجموعات المتناثرة والأحاديث المتبادلة، إضافة إلى مزحة أطلقها أحدهم عن «أبو حمد» فضحك الشارع بأكمله، توحي بأن بلدة بأكملها غيّرت موقعها الجغرافي وحطّت رحالها في شبعا. نعَم، الجميع يعرف بعضهم بعضاً! لا يهم إن كنت معارضاً أو موالياً، أنت هنا نازح فقط.
معاناة الطريق
هدى ابنة الـ27 عاماً كانت ضمن المجموعة الأولى من النازحين إلى شبعا، وصلت إليها في آذار العام الفائت. تروي «بعدما اشتدّ القصف على البلدة (بيت جن) اضطررنا إلى أن نهرب. لم نتمكّن من توضيب أغراضنا، إذ تجمّعنا في الساحة حوالى 75 شخصاً عند الساعة الرابعة عصراً، وكان معنا جريح». ومن الساحة بدأت رحلة هدى التي حاولت أن ترسم ابتسامة خفيفة، لكن من دون جدوى، «كان معنا دليل هو الذي يعرف طريق الجبل، قادنا عبر الطرقات الوعرة لمدة تسع ساعات مشياً على الأقدام وسط الثلوج، وكان معنا أولاد لا ينتعلون سوى شحاطة في أقدامهم. وصلنا إلى سفح الجبل الساعة الواحدة فجراً، حيث كان بانتظارنا أحد السوريين من بيت جن يقطن في شبعا. الطريق كانت معاناة فعلاً، لكن همّنا الأول كان إيصال ذاك الجريح».
تتدخّل منال (32 عاماً) لتشرح أكثر «قبل الأزمة السورية كانت هناك علاقات بين أهالي البلدتين نظراً إلى القرب الجغرافي وتلاقي المصالح، إذ كان يجري تهريب المازوت من بيت جن إلى شبعا عبر معابر ترابية واضحة مشقوقة في الجبل. هؤلاء الأشخاص أصبح يطلق عليهم اليوم تسمية «دليل» لأنّهم يعلمون طريق الجبل جيداً. لكن اليوم عوضاً عن تهريب المازوت أصبح البشر هم السلعة». وتكمل منال، بكلمات سريعة وروح مرحة لم تستطع المعاناة انتزاعها منها: «أنا وعائلتي جئنا في آب الماضي، بعدما قُصف بيتنا. أتينا على البغل، ودفعنا مبلغ 30 ألف ليرة سورية للدليل. نحنا ماشيين بالجبل والطيران فوقنا ما منعرف إيمتا بيقصفنا. أوصلنا الدليل إلى رأس الجبل وعاد. كانت الساعة الثانية فجراً، فنمنا في الجبل إلى أن حل الصباح ومعي زوجي وأولادي الثلاثة. في الصباح التقينا بأحد الرعاة ونزلنا معه. هيدي مأساة مش معاناة!».
على سفح الجبل، حاجز للجيش اللبناني يقوم بتسجيل أسماء جميع النازحين إلى شبعا، المكان الأخير الذي يمكنهم الوصول إليه. فبعد شبعا لا بدّ من تصريح رسمي لهؤلاء كي يغادروها. «بدنا نحكي لولاد ولادنا عن هاليوم» هكذا ينتهي حديث منال.
بعد الهروب من الموت
الوصول إلى شبعا ليس نهاية المأساة. فمن هنا تنتهي معاناة المجيء لترتسم ملامح معاناة أخرى، أوّلها إيجاد مأوى وتحصيل مساعدات تضمن الحد الأدنى من الحياة. أبو يزن لم يجد مأوى له سوى بناء قيد الإنشاء، عبارة عن حجارة مصطفة بعضها فوق بعض وأرض ترابية ولا نوافذ تقي صقيع شبعا. الرجل الخمسيني ليس بمقدوره أن يستأجر بيتاً، فاختار سقفاً لا يحميه إلا من زخّات المطر. ما زال الـ«لَكَنْ» الذي استخدمه لتأمين الدفء لأولاده خلال العاصفة «أليكسا» موجوداً. كان يشعله في الخارج، وعندما يتحوّل إلى جمر يُدخله إلى الغرفة. أخيراً تمكّن من تدبير «صوبيا» من أحد الجيران تُخفت حرارتها الصقيع المتسلّل من الجدران. يشكو أوجاع زوجته بحسرة «مرتي عاملة عملية لإجرا وما فيها تمشي عليها كتير، وجينا مشي 9 ساعات لهون. كل شهر تحتاج صورة لإجرا بس وضعي ما بيسمح اشتري ربطة خبز»، ليُنهي كلامه بجملة «عايشين من قلّة الموت».
في الطابق الثاني من البناء نفسه وضع أبو فهد قطعة بلاستيك كي يمنع الرياح من اختراق بقايا حجارة الغرفة التي تضم عائلتين تتألفان من 12 فرداً. أما الفرد الثالث عشر فهو طفل في شهره العاشر من العمر، وضعه أبو فهد لدى أقربائه في شبعا بسبب وجود تدفئة لديهم. يبدأ هؤلاء بتوجيه الأسئلة بدل أن يحصل العكس «لإمتى بدنا نضل هيك؟ اسألولنا ياهم ليش طلّعونا من المسجد؟ بدّو يجي مساعدات أو خلص؟». أسئلة كثيرة يطرحها النازحون على المعنيّين بأمورهم. تقول دلال «كنا نسكن في جامع البلدة وطلّعونا نهاية الشهر الماضي من الطابق السفلي، لأن بدُّن يعملوا مستشفى. لا يمكن أن أصف الشعور عندما وضعنا أغراضنا في الشارع من دون أن نعرف إلى أين نذهب». هذا الوضع ستجرّبه العائلة مرّة أخرى، فقد أنذرهم صاحب البناء الذي يقيمون فيه بضرورة المغادرة، لأنه يريد استكمال العمل. مجدداً لن يكون لديهم مكان يؤويهم.
تنشط في شبعا، وفق ما يقول رئيس البلدية محمد صعب، أربع جمعيات تابعة للأمم المتحدة تهتم باستقدام المساعدات وتوزيعها على النازحين. إضافة إلى هذه الجمعيات هناك أيضاً «تيار المستقبل» و«الجماعة الإسلامية». إلا أن المساعدات لا تكفي لتغطية حاجة جميع النازحين الذين يشكون من استغلال وهدر وعشوائية في توزيع المساعدات. محمد، الذي كان موظفاً في سوريا، يُخبر بانفعال ما يجري معهم «هون العالم نازحة، نزح الدكتور والمثقف والفلاح. من تسلمهم؟ يلي كانوا طول عمرُن بالجبال (رُعاة ومهرّبين) لأنهم يعرفون المعابر ولديهم معارف هنا. صرنا إذا احتجنا إلى أي شيء نطلب منهم، ومعاملتهم جدّ سيئة. نشحذ منهم الفرشة والصوبيا شحادة، وإذا ذهبت إلى بيوتهم تجد في كلّ غرفة صوبيا ودفاية غاز وفرش. ليش!؟ هوّ بيبرد ونحنا ما منبرد، ونحنا بيوتنا لا تدفئة ولا فرش… قاعدين عالأرض، وما بيحكوك إلا بالدولار، وعلى ذوقهم يوزعون المساعدات. شعب ملتعن أبو يلّي خلّفوا. كلّن عملوا دقونن ليتاجروا فينا». ويروي ما حصل معه «أنا كنت مريض، مرتين كان بدّي أعمل عملية وغيّروا رأيهم، لأنهم لم يتفقوا مع الطبيب على تسجيل بدل مضاعف لكلفتها لكي يربحوا». لو كنت مع النظام أو مع المعارضة، لا فرق هنا… ما يهمّ فعلاً هو الأرباح التي يمكن تحقيقها من معاناة هؤلاء الذين طفح بهم الكيل، على رغم محاولات البلدية ضبط الهدر الحاصل، كما جاء على لسان رئيسها.
مصائب قوم عند قوم فوائد
توافُد النازحين إلى شبعا، بالرغم من بعض القلق الذي يثيره، كان له وقعٌ إيجابيّ على الحركة الاقتصادية في البلدة ذات الموارد القليلة وفرص العمل الضئيلة. من لديه منزل أو كاراج لا يستخدمه أصبح فرصة جيدة للاستثمار، إذ بلغ إيجار المرأب 200 دولار شهرياً، أمّا المنزل فقد وصلت تكلفة إيجاره إلى 500 دولار، وهذه أسعار مرتفعة جداً بالنسبة إلى منطقة مثل شبعا. إلاّ أن معادلة العرض والطلب تبقى وحدها المسيطرة، بعيداً عن مراعاة الظروف الإنسانية لأشخاص باعوا كل ممتلكاتهم ونزحوا مجبرين، من دون أن يكون لديهم مورد رزق سوى مدّخراتهم التي يصرفونها «بالتنقيط». وليد، الذي كان ضمن أوائل المجموعات النازحة إلى شبعا، يروي معادلة العرض والطلب بمثل بسيط «عندما أتيت، اقترح المالك أن أقوم بصيانة البيت، الذي كان مهجوراً لسنوات لأنّه يسكن خارج البلدة، وأن أقيم فيه. كلّفتني الصيانة حوالى ألف دولار، وبعد عدّة شهور أصبح يريد مبلغ 200 ألف ليرة شهرياً. وبعد سنة طلب 300 دولار، ومنذ شهر قال لي إن أحدهم دفع له مبلغ 500 دولار لاستئجار البيت». ونظراً إلى الأوضاع الصعبة التي يعيشها النازحون، يقوم هؤلاء باستئجار كاراج يؤوي ثلاث عائلات، أي تقريباً 15 شخصاً في غرفة للتخفيف من عبء الدفع.
مع استمرار تدفّق النازحين إلى شبعا، يستمرّ الطلب على المنازل، وما زال هناك الكثير من المنازل المغلقة التي يرجّح أن تشكل دخلاً إضافياً لأصحابها الموجودين خارج البلدة، إلاّ أن هناك أيضاً قلّة من السكان الذين فتحوا بيوتهم للنازحين من دون مقابل، إلى حين أن يتدبر هؤلاء أمورهم.
مشاكل بسبب تزايد الأعداد
العلاقات بين بيت جن وشبعا ليست حديثة، بل تعود إلى زمن أبعد بكثير من الأزمة السورية، بحكم القرب الجغرافي بين البلدتين والعلاقات التجارية التي تجمعهما، وتحديداً عمليات تهريب المازوت عبر المعابر الحدودية. كذلك توجد علاقات مصاهرة بينهما. هذه العلاقات ازدادت أخيراً بسبب النزوح، إذ ارتبطت عشر فتيات سوريات بشبان من شبعا بخطوبة، فيما شهدت البلدة خمس حالات زواج.
إلى اليوم، لم تحصل مشاكل تُذكر بين النازحين وأهالي شبعا، وهذا ما يؤكّده رئيس البلدية. إلاّ أنّه يرى أيضاً أن البلدة لم تعد تحتمل الأعداد المتدفقة يومياً إليها. وما يحدّ من المشاكل العلاقات التي تربط معظم النازحين بعضهم ببعض، فتقول منال «إذا حدا من بيت جن عمل مشكلة مع الأهالي يتحرّك وجهاء البلدة لضبط الوضع. وإجمالاً الناس مش جايي تعمل مشاكل هون، بدّا تستر حالها». وتضيف «بالنهاية الغريب لازم يضل أديب». إلا أنّ بعض أهالي شبعا بدأوا يتخوفون من الأعداد الهائلة الموجودة في البلدة وما يمكن أن تحدثه من ضغط اجتماعي، خصوصاً في ظلّ «الخبريات» التي تنتشر في أماكن وجود السوريين في لبنان عن اعتداءات وانتهاكات متنوعة، ما يثير قلق الأهالي ويخلق لديهم حالة من التعميم والرفض تجاه النازح السوري.
أمنيات صغيرة
خلال الجولة في شبعا، لا تنفك عيون الأطفال تلاحقك خطوة خطوة. نظرات وضحكات بريئة لا تكترث لما يحصل خارج إطار اللعب واللهو، على الرغم من الذكريات السيئة التي حفرت في ذاكرتهم والتي نستنتجها من كلامهم. هنا مجد ابن الـ6 سنوات الذي استيقظ مرتعباً في ليلته الأولى في شبعا بسبب صوت الرعد، فكانت كلماته الأولى «كشفنا الطيران يا إمّي.. عرفوا وينّا!». مجد يكره الجيش، نظامي كان أو معارضاً، يريد أن يصبح «كل شيء ما عدا جيش». أمّا فاطمة الجميلة، فتحب لبنان أكثر من سوريا، «عالقليلة هون ما في أصوات مدافع وقصف». وتستطرد ببراءة نضجت قبل أوانها «إنو بحب إرجع على سوريا ما تفكري لأ، بس إذا مشي ما بدّي لإن أنا تلّجت». تشد آلاء ثوب أمّها هامسةً لها «قولي لها إنو مش بس تلّجنا، متنا وجعنا ونعسنا كتير ووقعنا عن البغل».