بحسب توقيت ميشال سليمان، دخلت حكومة تمام سلام جديا في مرحلة العدّ التنازلي، والساعات القليلة المقبلة قد تشهد ولادة الحكومة العتيدة، خاصة وانه لم يعد ثمة ما يستوجب المزيد من التأخير والانتظار. هذا ما يقال في القصر الجمهوري. لكن على الرغم من بدء العد التنازلي، فإن مرحلة المخاض السابقة لتلك الولادة لم تحسم بعد ما اذا كانت الحكومة ستظهر بولادة طبيعية او قيصرية، فالاحتمالان موجودان، وإن كانت المطبات الاخيرة التي اعترضت طريق التأليف، ومنها المداورة في الحقائب، قد ارسلت اشارات قوية حول امكان الذهاب الى حكومة امر واقع سياسية، كأفضل مخرج موجود لدى سليمان وسلام.
واذا كانت مشاورات الساعات الأخيرة ما زالت تعطي فرصة قصيرة للتوافق وفك عقدة المداورة فإن فريق التأليف لا يبدو متفائلا في امكان تليين التصلب العوني، وتبعا لذلك بات هذا الفريق يتحدث عن حتمية الذهاب الى حكومة سياسية بالتوافق بين سليمان وسلام، واستنادا الى نتائج المشاورات مع القوى السياسية، وتشكل المداورة الاساس فيها. وهذا يفتح على سلسلة من الاسئلة:
اذا كانت الحكومة التوافقية بين مختلف القوى تشكل متراسا سياسيا ورسميا امام التحديات السياسية والامنية والتكفيرية، فماذا عن حكومة الامر الواقع السياسية؟
ماذا عن اليوم التالي لاعلان تلك الحكومة؟ وهل لمثل هذه السابقة الاولى بعد الطائف تداعيات؟ وإن وجدت هذه التداعيات فما هو حجمها وهل تم تقديرها؟
فريق “14 آذار” سيبارك حتما هذه الحكومة، ولكن ماذا عن الفريق الآخر؟ وهل ستقبل القوى السياسية التي تندرج ضمن هذا الفريق، من نبيه بري الى “حزب الله” وميشال عون وسليمان فرنجية وصولا الى وليد جنبلاط، بترسيخ سابقة ان يصادر منها حق تسمية وزرائها بنفسها؟
ماذا عن موقف ميشال عون الذي يعتبر ان المداورة تستهدفه، ونقل عنه في الساعات الاخيرة “الصورة سوداوية، المداورة تستهدفنا ولا يتوهم احد بأن نقبل بها”.. وبناء على ذلك، هل سيرفض عون المشاركة في حكومة الامر الواقع السياسية؟ هل سيصل به الامر الى الاستقالة الفورية منها؟ ام انه سيسلم بالامر الواقع ويعض على الجرح، انسجاما مع اعتبارات الاستحقاق الرئاسي التي تملي التروي وعدم التصعيد، والذهاب الى الاعتكاف المؤقت كأقصى الخيارات؟
هل ينطوي الذهاب الى حكومة من هذا النوع على لعبة “بلف سياسي” لاحداث شرخ بين قوى “8 آذار”؟
تبعا للنظرية التاريخية التي اطلقتها “8 آذار” والتي تقول “ندخل معا ونخرج معا”، هل يستطيع “حزب الله” ان يماشي او يغطي، ولو مواربة، حكومة قد تحرجه مع حليفه العوني؟ وماذا لو رفض عون المشاركة في هذه الحكومة وقرر سحب الوزراء المحسوبين عليه منها، فهل سيماشيه “حزب الله”، ام سيتجاوزه ويدخل في حكومة يعتبرها حليفه العوني بأنها تحاصره، بما قد يترتب على ذلك من تصدعات وتفسخات في العلاقة بين “حزب الله” و”التيار الوطني الحر” ويرسم علامات استفهام حول التفاهم المعقود بينهما؟
ربطا بالنظرية نفسها، فان استقال عون وسايره “حزب الله”، هل يستطيع نبيه بري ان يتجاوب ويدخل الى حكومة امر واقع سياسية بمعزل عن “نصفه الثاني” الذي يمثله “حزب الله”؟ وتبعا لذلك ايضا هل يستطيع سليمان فرنجية ومعه حزب “الطاشناق” البقاء في حكومة يرفضها حليفهما العوني؟
لقد سبق لوليد جنبلاط ان اعلن رفضه المشاركة في حكومة امر واقع، فهل سيقبل بها اذا ما تم تجميلها بالسمة “السياسية”؟ وهل يستطيع ان يشارك فيها اذا ما قرر الثنائي الشيعي البقاء خارجها؟ وهل له مصلحة اصلا في الدخول في لعبة حكومية مجهولة الاكلاف والاثمان والخسائر والارباح؟
ماذا لو طرحت حكومة الامر الواقع السياسية، وفرطت، وما هو مصير الاستحقاق الرئاسي؟ وهل ثمة من يضمن الا يكون هذا الاستحقاق اولى ضحايا الازمة التي قد تتولد عن ذلك؟
هناك على حافة مشاورات التأليف من ينصح بالتفكير مرتين قبل الاقدام على اية خطوة مكلفة، فالعمر الافتراضي للحكومة المنوي تشكيلها قصير، وقد تكون مهمتها الوحيدة تحضير الاجواء لاتمام الاستحقاق الرئاسي في موعده. وبالتالي امكانية التوافق ما تزال ممكنة على مداورة او غير مداورة.
صاحب هذا الكلام على صلة مباشرة بحركة المشاورات، ويقول ان لديه ما يجعله يتفاءل ولكن على حذر، فمعطياته تؤكد ان السعودية تدرك ان حكومة تمام سلام انتقالية، وهناك مصلحة سعودية كبرى في تمرير هذه المرحلة الانتقالية باقصى درجات الهدوء السياسي حتى اتمام الاستحقاق الرئاسي الذي قد يؤسس لعهد جديد يشكل سعد الحريري اساسا فيه.
ولكن لدى صاحب هذا الكلام ايضا ما يجعله يخشى من خطوة متسرعة، خاصة وان هناك من يحرض على حكومة كيفما اتفق، وهو يدرك انها حكومة تداعي الوضع والترحم على الاستحقاق الرئاسي.