الصيد دفعني إلى عشق الطبيعة… فباتت علاجي النفسي!
في أحد الأيام من العام المُنصرم، كان الطبيب المُتخصّص في الجراحة التجميليّة أنطوان فيصل يتنزّه وزوجته وكلبة العائلة في الكورة، حاملاً معه بندقية الصيد، عندما لاحظ ان الكلبة تُحاول إكتشاف شيء ما اختبأ بين كومة من الحشيش أرضاً. وخوفاً من أن تكون أفعى تسعى لتلدغ كلبته، وجّه نحوها البندقية. وسُرعان ما اكتشف انه في الواقع طير راح يُحلّق ببطء، محاولاً الإبتعاد.
يروي فيصل، “هتفت زوجتي: قوّس! قوّس! ولكنني وجدتُ نفسي أراقبه إلى أن إبتعد من نظري. كنت على استعداد لاطلاق النار، لكني لم استطع. وأذكر جيداً انني قلت لزوجتي: يا ليتني أتيت بآلة التصوير كي ألتقط له صورة!”.
ويرى فيصل ان هذه الحادثة المحفورة في ذهنه لا بدّ من أن تكون قد صادفت العديد من الصيّادين الذين تحوّلوا مع الوقت عُشّاقاً للطبيعة يتفاعلون مع “سُكّانها” ويفعلون ما بوسعهم كي ينقذوها من شرّ الإنسان.
يُعلّق فيصل، الذي عاش سنوات طويلة في فرنسا وكان صيّاداً ماضياً، “الصيد في لبنان مقزّز. المسألة تحوّلت إلى إجرام في حق الطبيعة. عندما كنت أمارس هواية الصيد كنت أتبع القوانين المُطبّقة في فرنسا نظراً للسنوات الطويلة التي عشتها هناك. اليوم، ثمة مجازر كثيرة تُرتكب في حق الطيور. الطير بيهرب هريبة من لبنان!”.
ولفيصل عشرات هوايات يعيشها طقوساً يوميّاً، منها الغوص وصيد السمك والمشي في الطبيعة، والرقص، والرسم، وقد أسس أخيراً وصديقه جيمي الحاج Lebanese Wildlife Association (الجمعيّة اللبنانيّة لمراقبة الطيور والحياة البريّة).
ولكن الهواية الأبرز في حياته حاليّاً، وقد تحوّلت قصّة حب شغوفة، هي تصوير الحياة البريّة التي تقوده إلى مُختلف أنحاء العالم بحثاً عن مشاهد ولقطات تُقدّمها الطبيعة التي يُعاملها بإحترام مُطلق.
يقول: “أعرف العديد من الصيادين المُحترفين الذين تركوا هذه الهواية واستعاضوا عنها بالتصوير. أنا مُتأكد من أن أكثر المصوّرين الذين نُصادفهم وآلات التصوير في الطبيعة، كانوا ذات يوم يعيشون قصة مع بارودة الصيد، ولكنهم وقعوا في حب الطبيعة في الطريق!”.
ومنذ صغره وهو يحب التصوير، “في الحقيقة منذ صغري وأنا أعشق كل ما له علاقة بالطبيعة. الصيد يدفعك إلى حب الطبيعة وإحترامها. ثمة عشرات طيور يُراقبها الصيّاد من دون أن يتمكّن من أن يصطادها”.
فيصل يعشق على قوله،”تصوير الماكرو”، “الطبيعة مليئة بالمشاهد التي نقدر أن نصوّرها على طريقة الماكرو. ولا يُستهان بالمشي الذي أقوم به طيلة ساعات في الطبيعة، إذ ان هذه الهواية تدفعني بدورها إلى عشق هذا الأسلوب في التصوير”.
ويُلخّص فيصل إهتماماته بالتصوير إلى 3 أقسام: “تصوير الماكرو، التصوير الليلي، وتصوير الحياة البريّة”. يُعلّق قائلاً: “أحياناً أنتظر ما يُقارب الـ4 أو 5 ساعات كي أحصل على اللقطة التي تروقني لحيوان أو لآخر. مدة الإنتظار الطويلة هذه تجعلني أكثر هدوءاً. يُمكن أن أكون قد قمت بعمليات كبيرة، ولكنني ما أن أجد ساعة من الفراغ، اتناول آلة التصوير وأتوغل في الطبيعة. التصوير في البريّة أشبه بالعلاج النفسي. هو تصفية للذهن، وراحة مُطلقة للأعصاب. ما كأنّي عامل عمليات!”.
وقام أخيراً برحلة سافاري مع بعض أصدقاء يستهويهم التصوير مثله، “وتوجهّنا معاً إلى كينيا حيث عشرات محميّات ومناظر خلابة. لم نشعر بالخوف وإن للحظة، إذ انه يُمنع الإنسان أن يدوس الأرض داخل المحميّات. بل تنقّلنا في السيارات مُحترمين بيئة الحيوانات. كانت هذه المُغامرة رائعة. شاهدنا الحيوانات في بيئتها الأصلية. شي خيالي!”.
ويرى فيصل ان تصوير الحياة البريّة يتطلّب أن يكون المصوّر مندمجاً مع الطبيعة، “من المستحيل أن تلتقطي الصور لأي حيوان من دون دراسة تكوينه وشخصيته وعاداته مُسبقاً قبل التوجّه إلى الطبيعة. السنجاب مثلاً، عندما أقرر أن أصوّره، أعرف مُسبقاً أين يأكل وعلى أية شجرة يجلس لساعات. أي كائن حيّ يعيش في البريّة يجب دراسته بعمق قبل التعامل معه وجهاً لوجه”.
ساعات تليها ساعات يمضيها أنطوان فيصل في الطبيعة في لبنان أم في أنحاء العالم، بحثاً عن لقطة تُرضيه. “هي وسيلة لا يُستهان بها للإبتعاد من التوتّر.
يقول، “قبيل اللقاء توجّهت من أميون إلى حرج إهدن الساعة السابعة صباحاً. كانت الليلة الماضية (منجّمة) وقلت في قرارة نفسي: أكيد في جليد! صعدت إلى إهدن كي ألتقط بعض صور للندي المُتجلّد. تركت أميون عند الساعة السابعة وكنت في الحرج في تمام السابعة والنصف”.
ليُنهي، “نحن الذين نصوّر الحياة البريّة في لبنان، عددنا قليل جداً!”.