يا عمّال لبنان… عقد العمل الجماعي ما زال حيّاً

كتب محمد وهبة في صحيفة “الأخبار”:

خلال السنوات الماضية، سعت جمعية مصارف لبنان إلى انهاء آخر عقود العمل الجماعية في لبنان. استدعت المحافظة عليه، ولو ناقصا، نضالا قاسيا خاضه اتحاد نقابات موظّفي المصارف. اليوم، تعيد نقابة موظّفي شركتي الخلوي الاعتبار إلى هذا المفهوم، اذ نجحت في ابرام عقد جماعي ينطوي على طموح بانشاء صندوق تعاضد يضمن التغطية الصحية في مرحلة ما بعد التقاعد

في عزّ التوجهات «النيوليبرالية» في ادارة شركات القطاع الخاص في لبنان، الساعية إلى تدمير العمل النقابي، وتفكيك عقود العمل الجماعية، انتزعت نقابة موظفي الخلوي تواقيع شركتي الخلوي على عقد عمل جماعي يمنح الأجراء في هذا القطاع مكتسبات جديدة، توازي 30% مما كانوا يحصلون عليه.

العقد الجديد يوثّق حقوقهم ويجعلها مستدامة، لكنه لم يمرّ بهذه البساطة، فقد جاء حصيلة سنوات من التفاوض، اختتمتها وزارة الاتصالات بالضغط على إدارتي الشركتين وبدفعهما إلى الموافقة على أهم بنود العقد، وهو انشاء صندوق تعاضد الموظفين، الذي يموّل من رواتب الموظفين ومن موازنات الشركتين بنسب متساوية.

قبل أكثر من ستّ سنوات كان الحديث عن عقد العمل الجماعي مجرد عبارات يتداولها اعضاء نقابة موظفي الخلوي المؤسسة حديثاً. لم تكن النقابة قد تسلمت زمام المبادرة بعد، بل كانت تعيش هواجس استدامة العمل وتبدّل المشغّلين لشبكتي الهاتف الخلوي في لبنان، فضلاً عن توجهات الخصخصة ومصير الموظفين.

الحديث المتزايد عن استدامة العمل دفع النقابة إلى البحث جدّيا في امكانية وضع عقد عمل جماعي يحفظ حقوق الموظفين، ويضمن لهم حقوقهم المكتسبة. ومن أبرز المطالب التي أراد الموظفون تطبيقها ضمن عقد العمل الجماعي، صندوق التعاضد. فموظفو الخلوي مثلهم مثل باقي الأجراء في لبنان، يشعرون بوطأة غياب الأمان الاجتماعي الذي يفترض أن توفّره الدولة. وهؤلاء الموظفون واعون تماماً أن أنظمة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي متخلفة عن سياسات الرعاية الاجتماعية؛ إذ لا يحصل الأجير بعد تقاعده سوى على تعويض مالي لمرّة واحدة من دون أي خيار للحصول على راتب تقاعدي شهري، ولا على أي نوع من التغطية الصحيّة لفترة ما بعد التقاعد.

نقابة موظفي الخلوي سعت الى أن «تصان حقوق الموظفين ومكتسباتهم في عقد مكتوب مع إدارة الخلوي، ويكون عقداً سارياً على كل الشركات التي يمكن أن تشغّل شركتي الهاتف الخلوي المملوكتين من الدولة اللبنانية، إذا فازت أي شركة بعقود التشغيل والصيانة»، يقول مستشار وزير الاتصالات جورج شقير، لكن هذه الأهداف التي كانت عبارة عن أفكار متناثرة، لم ترتق إلى مستوى المطالب الجماعية إلا منذ نحو 3 سنوات، حين عزّزت النقابة وسائل عملها المطلبي وبدأت تتفاوض مع مشغلي الهاتف الخلوي «ألفا» و«تاتش» على إقرار عقد عمل جماعي، إلا ان مدّة التفاوض طالت من دون التوصل إلى اتفاق على بنود العقد، وبقيت الشركتان تمانعان تحقيق مطالب نقابة الموظفين، وخصوصاً أن تقديمات شركة «تاتش» لموظفيها كانت أقل مما كان يحصل عليه موظفو شركة «ألفا».

ويشير شقير إلى أن «وزير الاتصالات قاد مع فريق عمله المفاوضات مع الطرفين على مدى 3 أشهر، انتهت منذ نحو سنة إلى اتفاق على عقد جماعي بعد انقسام حاد بين الطرفين». الاتفاق، وفق رئيسة نقابة موظفي الخلوي دانيال صليبا، يشمل «تعويضات عن كل ولد في المدرسة بقيمة 3250 دولاراً لغاية ثلاثة أولاد، و4000 دولار عن كل ابن أو ابنة في الجامعة لغاية ثلاثة أولاد. كذلك تعويضات نقل وزيادة تعويضات الهاتف، وجعلنا اجازة الأمومة 90 يوماً، ثم أقررنا إعطاء الموظفين مكافآت سنوية بمعدل شهرين ونصف شهر، وهي مرتبطة بتقويم الموظفين، أما الفرصة السنوية، فأصبحت في حدّها الأدنى 18 يوماً وتصل إلى 30 يوماً… أما التأمين الطبي، فهو موحدّ لموظفي الشركتين الفا وتاتش ويغطّيهم بنسبة 100% خارج المستشفى وداخله، واتفقنا على أن تكون هناك زيادات سنوية على الاجور… وأبرز الأمور المتفق عليها هي إنشاء صندوق للتعاضد».

ويلفت بعض العاملين في قطاع الخلوي إلى أن العقد الجديد منحهم خيار الحصول على بوالص تأمين ضمن مجموعة الموظفين الفعليين، على أن تغطّي الشركة نحو 30% من الكلفة، وقد حصل بعض الموظفين على تعويضات هاتف بقيمة 20 دولاراً شهرياً، وفيما كانت «ألفا» تدفع بدل غداء يومي، لم تكن «تاتش» تدفع أي مبلغ في هذا الإطار، لكن العقد أجبرها على أن تدفع 5000 ليرة يومياً للذين يعملون داخل الشركة، و12 ألف ليرة للذين يعملون خارجها، أما الموظفون تحت الطلب، فمنحهم العقد بدلات بقيمة 120 دولاراً اسبوعياً، و70 دولاراً عن كل طلب.

ويؤكد شقير أنّ نسبة الإضافات على مكتسبات أجراء موظفي الخلوي من العقد الجماعي بلغت 30% زيادة عما كانت عليه سابقاً. أما كلفة الإضافات، فهي تقدّر بنحو 5 ملايين دولار، يستفيد منها 1300 موظف.

النقابة راضية عن العقد الجديد، لكن الموظفين ينتظرون بفارغ الصبر بدء تطبيق صندوق التعاضد، الذي لا يزال في مرحلة التأسيس. وبحسب وزير الاتصالات نقولا صحناوي، فإن إنشاء هذا الصندوق «جزء صغير من طموحاتنا ومشروعنا. فنحن نسعى إلى إقرار مشروع ضمان الشيخوخة لكل الناس في لبنان، من أجل تمكين الأجير من الحصول على راتب تقاعدي، وعلى العناية الصحية اللازمة خلال فترة ما بعد التقاعد. ففي لبنان وخلافاً لأي منطق، عندما يتقاعد اي شخص من عمله، يحصل على تعويضه فقط ويترك بلا أي نوع من الرعاية والحماية الاجتماعية، وهو ما يتركه فريسة للارتهان السياسي أو الغرق في المزيد من الفقر… وبالتالي فإن إقرار صندوق التعاضد كان مشروعاً للتغيير ضمن فئة معينة، حيث بإمكاننا التغيير».

ويشير صحناوي إلى أن المفاوضات بين النقابة وشركتي الخلوي حول إنشاء صندوق التعاضد تتمحور حول نسب التمويل لكل منهما، فإذا وضع الموظف 6% من راتبه، تضع الشركة نسبة مماثلة في حساب إدخاري باسم الموظف إلى أن يتقاعد فيمكنه الاستفادة من راتب تقاعدي، أو أن يستقيل من عمله، فيستفيد من تعويض تقاعدي أيضاً.

ووفق صليبا، لا تزال هناك بعض النقاط التي تتطلب حسماً، مثل منح الموظفين خيار الحصول على راتب تقاعدي أو تعويض تقاعدي، أو أن يكون الراتب إجبارياً، كذلك لم تحسم نسب التمويل بعد… لكن الأهم «أننا تمكنا من منح موظفي الخلوي راتباً تقاعدياً وطبابة بعد التقاعد» يقول صحناوي. ويضيف «استعملنا العقد الجماعي لتحقيق هذا الهدف. يجب إقرار قانون ضمان الشيخوخة في مجتمع لا يحمي العجزة».

المصدر:
الأخبار

خبر عاجل