
تطور مسار تأليف حكومة سياسية جامعة، مع انقضاء عشرة اشهر على “التكليف” في شكل دراماتيكي لينتقل واقع الايجابية المحيط بالمفاوضات الى حال تأزم وعودة الى الوراء بفعل عقدة المداورة التي فرملت عجلة التشكيل من الرابية، بعدما اصر رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون على التمسك بحقيبة الطاقة لمصلحة الوزير جبران باسيل. ولم تفلح كل الجهود التي بذلها النائب وليد جنبلاط عبر موفديه والصيغ البديلة التي حملوها باقناعه في العدول عن موقفه، ولا “مونة” حزب الله الذي وجد نفسه مضطرا لمساندة حليفه المسيحي وابلاغ الرئيس المكلف تمام سلام، وفق ما كشفت مصادر عاملة على خط التشكيل لـ”المركزية” التزام قرار عون وعدم المشاركة في حكومة لا يشارك فيها، علما ان عون وضع الحزب في خلال اللقاءات الاخيرة بين الجانبين في جو قراره وعدم استعداده للعودة عنه.
وقالت المصادر ان قوى 8 اذار تتأثر مباشرة بتقلبات المناخ السياسي الاقليمي والدولي الذي شهد انتكاسة مهمة بعد مبادرة حسن النية الايرانية نتيجة اتفاقات بقيت بعيدة من الاضواء قضت وفق ما اكدت المصادر باعطاء ايران تسهيلات وضمانات في سوريا ولبنان لتسهيل تشكيل الحكومة وسحب المقاتلين من سوريا والموافقة على مقررات مؤتمر جنيف -2 وتمت على هذا الاساس توجيه الدعوة اليها للمشاركة في مؤتمر جنيف، غير ان اعتراض دول الغرب على عدم الالتزام بالشرط الاساسي القاضي باعلان الموافقة على مقررات جنيف -1 حمل امين عام الامم المتحدة على سحب الدعوة تحت وطأة تهديدات الائتلاف السوري بعدم المشاركة. واضافت ان هذه الانتكاسة شكلت السبب الرئيسي في العرقلة الحكومية، بحيث تحاول قوى 8 آذار وتحت ستار شروط عون التملص من تعهدات كانت قطعتها للرئيس المكلف تمام سلام بالتزام مكوناتها كافة حكومة الثلاث ثمانات ومبدأ المداورة والتخلي عن الثلث المعطل، ورمي الكرة في ملعب الرئيسين سلام وميشال سليمان واعتبار ان المفاوضات التي كان قادها في المرحلة الاولى الرئيس نبيه بري بتفويض من 8 اذار، كانت خاضعة للنقاش عند كل نقطة وليست تفويضا بالمطلق او بالجملة.
وربطت المصادر بين ما يحصل في جنيف اليوم من تعثر، بعدما تعذر جمع وفدي المعارضة والموالاة وتلويح وزير خارجية سوريا وليد المعلم بالمغادرة غدا اذا لم تعقد محادثات جدية واقتصار لقاء وفد الحكومة مع المبعوث الدولي الاخضر الابراهيمي على ساعة من الوقت، بالانتكاسة الحكومية المفاجئة التي رفعت وتيرة الوساطات الى ذروتها ونشطت الاتصالات لا سيما على خط الرابية – الضاحية الا انها لم تصل الى نتيجة، حتى الساعة على رغم الحديث عن عرض تضمن تخلي الحزب عن الحقيبة السيادية لمصلحة عون، لم ترضِ الاخير، الذي اصر على رفض المداورة والاحتفاظ بحقائبه في مقابل رفض سلام التنازل عن هذا المبدأ.
وازاء هذا الواقع، قالت اوساط بارزة لـ”المركزية” ان العمل جار على صيغ عدة بديلة من بينها ما وصفته بحكومة “من حضر” او حكومة الامر الواقع السياسية الجامعة العادلة المرتكزة الى الاسس نفسها، اي انها جامعة من 24 وزيرا على قاعدة ثلاث ثمانات تعطي لكل فريق حقه بعدل من دون اجحاف ومن يخرج منها يستثني نفسه. وقالت ان الرئيسين سليمان وسلام استنفدا كل الوقت المتاح ولم يوفرا فرصة لتشكيل لحكومة الجامعة والعادلة، غير ان المكونات السياسية اللبنانية تبدو من محبذي الفرص الضائعة وهدر مساعي التقارب لانتشال البلاد من كبوتها خصوصا ان هذه الحكومة كان من شأنها فصل ازمة لبنان عن الوضع الاقليمي وعلى هذا الاساس كانت موافقة الرئيس سعد الحريري على المشاركة فيها وتجاوز بعض حلفائه مراهنا على امكان احداث نقلة نوعية في الواقع السياسي اللبناني مستندا الى نصح اوروبي بوجوب تشكيل الحكومة لهذه الغاية.
واشارت الى ان حظوظ حكومة الامر الواقع السياسية العادلة وفق ما وصفها احد العاملين على خط التشكيل، لا تبدو ضئيلة خصوصا ان موقف عون يقتصر على التيار الوطني الحر ولا يشمل مكونات تكتل التغيير والاصلاح، اي حزب الطاشناق ورئيس تيار المردة سليمان فرنجية الذي اجتمع اخيرا مع الرئيس امين الجميل في دارته على حفل عشاء وشكل الملف الحكومي الطبق الرئيسي.
لكن اوساطا قريبة من المصيطبة اكدت لـ”المركزية” ان الامور لم تصل بعد الى حائط مسدود والاتصالات مستمرة وناشطة ان عبر حركة الوزير وائل ابو فاعور او المعاون السياسي للامين العام لحزب الله الحاج حسين الخليل الذي زار مساء امس الرئيس تمام سلام ووضعه في اجواء اخر ما توصلت اليه المفاوضات مع العماد عون، فكان تأكيد من الرئيس سلام على عدم العودة عن مبدأ المداورة.
في غضون ذلك، اعتبرت مصادر نيابية في قوى 14 اذار ان موقف عون ينطلق من اعتبارات عدة ابرزها ان موقف رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع من الحكومة وفر له حيثية شعبية مسيحية مهمة لا يمكن لعون ان يحصّل مثلها الا اذا تمكن من اقناع الرأي العام المسيحي بانه أمن للمسيحيين مكاسب وزارية مهمة والا فان مشاركته في الحكومة لا تقدم له شيئا، خصوصا انه كان حاول في المرحلة الاخيرة التمايز عن حلفائه وفتح صفحات سياسية جديدة اهمها مع تيار المستقبل الا ان محاولاته لم يكتب لها النجاح. واشارت الى ان زعيم التيار الوطني الحر يسعى ايضا الى ربط استحقاقي تشكيل الحكومة والانتخابات الرئاسية فيرفع سقف مطالبه الى أعلى مستوى.