في لاهاي انطلقت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في جلسات عدة لاقرار العدالة، واحقاق الحق، تحت شعار كبير “تاريخي” (بالنسبة إلينا): لا بدّ من عقاب قانوني لمن اغتال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه وشهداء 14 آذار. محاكمة؟ نعم! وعن جرائم ارتكبت في لبنان؟! نعم! والمتهمون بالأسماء والصور نعم! (أقصد المتهمين بالتنفيذ حتى الآن) وبالوقائع وبالثواني وبالدقائق وبالكاميرات والتسجيلات في عملية تقصٍ في التحقيق، ودقة في جمع الأدلة والربط بينها، قل مثيلها. هيئة اتهامية عامة وأخرى خاصة. وهيئة دفاع! المحكمة هذه أهميتها، انها تلفت أنظار العالم إلى ما جرى ويجري في لبنان من مجازر وجرائم على امتداد أكثر من أربعة عقود. أهميتها أنها اظهرت ان ما كان يتم من قبل، في عصر الوصايات ومن دون عقاب، ما عاد ليتم اليوم. تأملوا هذه المشهدية الرائعة أي المحكمة الدولية في لاهاي التي لم نشهد مثلها إلا في الصور والمجلدات وفي السينما: محاكمة نورنبرغ. محاكمة ميلوسوفيتش. انها شبيهة بهذه اللحظات الانسانية العالية التي افتقدناها وفي محاكمنا “السياسية” والأمنية والاعتباطية تحت ظل الأنظمة الاستبدادية التي صادرت الناس والقضاة والقوانين والدساتير وارتجلت محاكم ميدانية، شكلية، كأداة للقمع والقتل والإرهاب. محاكم إرهابية؟ نعم! النظام الإرهابي لا ينتج سوى محاكم إرهابية.
لم نعرف في تاريخنا العربي الحديث سوى محاكم هي أقرب إلى الإرهاب منها إلى العدل سواء في مصر أو تونس أو ليبيا أو لبنان أو سوريا… لا شيء. لا أدلة ولا قوانين. ولا حتى اتهام فقط المحكمة مكان مُرعب كابوس لتصفية كل صوت معارض، أو كل نبرة احتجاجية. ويعزّ علينا هذا القول. يعني ان تكون المحكمة التي تحقق في اغتيال الرئيس رفيق الحريري خارج لبنان. ذلك لأنها لا تكون محكمة إلاّ إذا كانت بعيدة عن متناول الوصايات وميليشياتها وقضاتها ومحاميها. (تتذكرون القاضي عضوم! صاحب تلفيق الملفات المشهورة). لا محامون. ولا من يحمي. ولا حرية لدى القضاء: عودوا قليلاً إلى الوراء وتساءلوا معنا: ماذا حلّ بالمتهمين بمحاولة اغتيال النائب بطرس حرب وسمير جعجع. وكذلك الشهيد وسام الحسن وبعدهم محمد شطح وقبلهم على امتداد سنوات من كمال جنبلاط ورينه معوض والشيخ صبحي الصالح والمفتي حسن خالد… حتى اليوم. لا شيء. وتذكروا معنا كيف أمر الرئيس المفدى إميل لحود قوى الأمن بازالة معالم جريمة اغتيال رفيق الحريري بعد يومين من حدوثها، وطالب “الجميع” بالعودة إلى أعمالهم وكأن هناك حادث سير أو حادثة شخصية. خذوا هذا “المثل” وعمموه تجدوا أن ما حصل أيام الرئيس السيادي إميل لحود سبق أن حصل مع كل الذين اغتيلوا من القيادات اللبنانية: مع الرئيس رينه معوض: بعد ساعات أزيل كل شيء. وملف الجريمة ليس فيه أي ورقة. لا شيء. لا ملف. ولا ورق. ولا من يلفون. وتذكروا معنا اغتيال القضاة الأربعة تحت قوس المحكمة. وفي حرمها. أُقتلوا وانتهى الأمر. القتلة معروفون. لكن فوق أي محاكمة… ومُساءلة أو حتى اتهام، ولا أدلة.. لا شيء! اغتيال القضاة في صيدا يعني اغتيال جميع القضاء. انتُهكت المحكمة في صيدا، يعني انتهكت كل محاكم لبنان. مُنع التحقيق الجدي. إذن لأن المحاكمة ممنوعة في كل لبنان…. وهكذا دواليك. إذن لأن المحاكمة ممنوعة في لبنان. أُنشئت المحكمة الدولية. ومن الطبيعي أن يرفض المتهمون ومَنْ وراءهم هذه المحكمة لأنها “بعيدة” عن ارهابهم، وترهيبهم ورصاصهم. يريدون محكمة لا تحكم ولا تحاكم وقوانين لا تطبق ودساتير من ورق بلا حبر، أو حبر بلا ورق. كأن قوانين الافلات من العقاب (وحتى مجرد الإتهام) من صميم التركيبة الحزبية والعقائدية والسياسية (أو ليس هذا ما رأيناه على امتداد “زمن الميليشيات الطائفية ووصاياتها في لبنان! حتى اليوم مع آخر عناقيد “أحزاب الله”؟).
ولهذا، يعزّ علينا ألا تكون المحكمة لبنانية، ولهذا عندما انفتحت امامنا جلسات المحكمة الدولية كدنا نقول “نعم”! العدالة في مكان آخر والقضاء في مكان آخر. فبدا لنا المشهد أسطورياً، سحرياً. عندنا الوحشية “أسطورية” وهناك العدالة اسطورية. عالم من السحر، شهدناه. ذلك لأنه لم يسبق ان رأينا لا في لبنان ولا في أنظمة الطغاة العربية شيئاً مماثلاً. كأنها المرة الأولى التي نشاهد “محكمة” حية بأشخاص حقيقيين غير افتراضيين في مكان غير افتراضي، قد يرى الانسان الغربي في هذه المحكمة مشهداًَ طبيعياً مألوفاً اعتاده في قصور العدالة، وفي المحاكم المستقلة الحرة… لكن نحن كمن وقع على كائنات غريبة، اخترقت عالمنا من بوابات الفانتازيا. لكن قد يقول بعضهم عن حق أن هذه “المحاكمة” على أهميتها، ومجازاتها، اكتفت بالمنفذين الصغار: العملاء الصغار. المرتزقة أو المضلّلين الصغار. (وهذا ما قرأت في بعض التعليقات الصحافية الفرنسية) لكن أين الكبار؟ أين من خططوا وموَّلوا وقرروا! أين “الرؤوس الشريرة الكبيرة المجرمة التي رسمت كل شيء وقامت بالدور الأول. سؤال كبير من الصعب الإجابة عنه قبل انتهاء وقائع المحكمة والاثباتات والشهود… وما قد ينبثق عنها من أسماء (نعرفها أصلاً! ومن ترى لا يتكهن المجرمين عندنا؟ ها هم يملأون الشاشات التلفزيونية بكل صحة وعافية وحرية وتألق!) ورب قائل إن كل هذا السحر الذي تتكلم عنه لن يتجاوز المجال “الجمالي” و”التكنولوجي” والاستعراضي. فلن يتغير شيء! وسيبقى المجرمون مترصدين لخصومهم لكي يصفّوهم! ذلك أن القتلَ عندهم هو وسيلة، هيمنة وطريقة تفكير عندهم، بل وأسلوب أكل وشرب وملبس ونوم وشخير. يشخرون القتلَ في نومهم. يأكلون القتل في طعامهم. يتجرّعون القتل في مياههم. يقرأون القتل في كتبهم. يمشون القتلَ في سيرِهم. يقتعدون القتل في جلوسهم. فالقتل عندهم لا يستريح ولا يأخذ اجازة. مداوم أبداً. مخلص لهم ابداً. ومخلصون له أبداً!
هذا ربما صحيح. لكنه الصحيح أيضاً. ان هناك علامة جديدة لن تبقى لا في إطار التمنيات ولا السحر… ولا الاعجاب، هي أن هؤلاء سيقتلهم “قتلُهم” عاجلاًَ أو آجلاً. وان معنويات الناس العاديين المدنيين المطالبين بجمهورية عادلة، ستكبر، وتنمو مع هذه المحاكمة ولن تبقى وراء الجدران ولا في الضمائر؛ انها من علامات التغيير. ولا تأتي علامات التغيير كلها دفعة واحدة… ولا مرة واحدة. انها اشارة الى مسار صعب، وعر، سبق أن ناضل اللبنانيون الأحرار في شعابه، ومتاهاته وأدركوا بعضاً من آمالهم: ثورة الأرز على الرغم من كل شيء أحدثت فرقاً. اخرجت الجيش السوري من لبنان ولولاها لما قامت المحكمة الدولية أصلاً. ولا الانتخابات النيابية. ولا تحرّر الشارع وتنفسّت الميادين في التظاهرات السياسية والنقابية. اليوم هناك شحنة وطنية وانسانية تلمع من لاهاي. وعلينا أن نعرف كيف نكملها، ميدانياً، وعلى الأرض، ذلك لأن ثورة الأرز لم تعد منذ قيامها ملكية لأحزابها بل لكل لبناني، سيادي، جمهوري، ديموقراطي… كل هذه المشاهد مترابطة، وان أبطأ بعضها هنا، أو عُرقل هناك، أو تراجع هنالك..
اما المشهد “السحري” الآخر فهو في مؤتمر جني 2 في مونترو: الربيع العربي موجود في مونترو. تأملوا أن النظام السوري وبعد ثلاث سنوات من الحروب والمجازر والتهجير والتدمير والوحشية، وعلى الرغم من آلته العسكرية وحلفائه الإيرانيين وتابعهم حزب إيران في لبنان، ها هو يجلس إلى طاولة واحدة، تحت سقف واحد قبالة المعارضة. انه لمشهد سحري. نعم! هذا النظام الذي اعتاد أن يكون وحده الجالس. وحده الآمر. بلا معارضة. ولا حوار. ولا جمهور. ولا انتخابات… ها هو اليوم في مونترو امام معارضة تمثل الشعب السوري تمثيلاً شرعياً. انها “الغرابة” نفسها. من كان يتصور أن هذا النظام الذي أفرغ سوريا من كل صوت آخر، بالاغتيال، والقتل والمجازر، ويحكم بأمره بلا منازع، ها هو “يحاور” من موقع من فقد أهليته، معارضة اكتسبت أهليتها، أمام شعبها، وأمام الرأي العام العالمي. لا شك انه “منظر مؤلم” لأرباب النظام وحلفائهم. مؤلم وشقي. بل أكثر: النظام الذي كان يتحكم بلبنان وسوريا ويهدّد الأردن والعراق والفلسطينيين… (ما عدا اسرائيل) ها هو يكاد يكون وحيداً في هذا العالم الشاسع، حتى ان من يدعمه صار يدعمه من موقع الوصاية عليه. ولا نظن ان النظام كان ليذهب إلى جني وبهذه الشروط (تحت مقررات جني واحد) لولا الضغط الروسي عليه. (وربما الإيراني). لم يذهب إلى هناك كما كان يذهب إلى المؤتمرات العربية: كلهُّ خيلاء وغطرسة وقوة وثقة بالنفس حاملاً الورقة اللبنانية وبعض الورقة الفلسطينية… والعراقية. ذهب هذه المرة لا يحمل سوى ما تبقى من قصاصة حضور وقد أظهرت الوقائع حتى الآن ان كل ما ارتكبه من مجازر والقاء براميل متفجرة أو كيماوي، وقصف طيران ومدافع ودبابات لم يكن له الأثر المطلوب الذي كان يتوخاه سواء في جني 2 اليوم أو في الموقف الدولي والعربي.
وتقولون لي إن المشهد “الجنيي” ليس ساحراً؟ تأملوا ان ينادي أحدهم أحمد جربا بفخامة الرئيس في الوقت الذي يتكلم فيه مندوبو النظام. انها اللحظة المشهدية المعبرة التي انبثقت من الربيع العربي: هناك تاريخ جديد في هذه المنطقة عنوانه “لم يعد احدٌ قادراً على ان يحكم وحده”. زمن آخر: زمن الناس على اختلافاتهم ونظن “ان مهما فعلت هذه الأنظمة فلن تستطيع إزالة الخمائر الأولى للثورة: خمائر الشعوب المدنية التي بادأت الانتفاضة لينضم اليها بعدئذ “أشباه” الأنظمة من أخوان مسلمين وفرق مذهبية، وقتل مذهبي! والمذهبية صناعة لا تختلف كثيراً عن صناعة الأحذية!
اما المشهد “الخُرافي” الآخر، فيتمثل في تهافت الشعب المصري على المشاركة الحية في الاستفتاء حول الدستور. مشهد الفقراء وهم يحملون “أراءَهم” و”مواقفهم” ويضعونها في صناديق الاقتراع الـ 99,99 أخذها الناس هذه المرة. لا 99،99 من التزوير والطغيان. لا 99،99 من صناديق فارغة. لا 99،99 % من صناديق مُلئت بنفايات الأنظمة وبدماء الشعوب وبذلهم وخوفهم. ونتيجة الاستفتاء جاءت بما كان يصرخه الناس في قلوبهم وسرائرهم أيام الطغاة… وبات اليوم الصورة العلنية، الجهّور، الملونة، المشهدية التاريخية بأجسام رأيناها أمام صناديق الاقتراع. المهم في كل ذلك ما تحمل هذه المشهديات في خلفياتها وأعماقها: الشعب حرّر صوته وبدنه ونفسه وميادينه ومنازله وشوارعه، ليعبّد مساراته الطويلة إلى الحرية. حتى المَشاهد القميئة، التخريبية، العنيفة التي لجأ إليها الأخوان المسلمون من سد طرق، واشعال حرائق وتدمير محال ومقار رسمية، ومن صراخ وتكفير وتخوين كأنها باتت كلها بلا صدى. خارج فهارس الثورة وعناوينها ومتونها.
هذه المشاهد الثلاثة، أتراها من تركيب مخيلاتنا، أو من اضغاث أحلامنا، او من هواتف آمالنا؛ أو من اشباح رؤانا؟ أتراها مشاهد ستصبح مع الوقت أليفة، عادية، يومية، نستشفها في عقولنا وطرق حياتنا وممارساتنا، أم انها ستكون أقرب إلى “غيمة صيف”… عبرت سماءنا وتبددت؟ تطارح نفسك هذه الأسئلة من فرط مخاوف ووساوس وهواجس: ولكن ايضاً من فرط تمسكك بها. وكأنها خشبة الخلاص الأخيرة… لكن السؤال الأهم: كيف نحول هذه المشاهد “السحرية” الخرافية إلى حقائق مفتوحة باستمرار تعمق المسارات والممارسات وعدم الاستسلام القوى الطغيان أو المراهنة عليهم! أي بحسب مقولة “لا يُلدغ المؤمن من الجُحِر مرتين”!