بعد انطلاق المحاكمات في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه يُطرح التساؤل عمّا إذا كان القرار الاتّهامي قد حمل أدلّة جديدة أم اكتفى بتأكيد أدلّة طُرحت في متن القرار الاتّهامي من دون تقديم أيّ جديد؟ كذلك يُطرح التساؤل عن مستقبل هذه المحاكمات لجهة مدّتها وإمكانية تنفيذ الحكم الصادر عن هذه المحكمة، ومدى تأثيره في النزاع السياسي الدائر في لبنان؟
وتبيّن أنّ القرار الاتّهامي قد أكّد هوية أصحاب الخطوط المستعارة التي تمّ شراؤها من طرابلس للتمويه، لأنّهم عندما استعملوها وهم يراقبون الحريري في كلّ تحرّكاته منذ أن قرّروا إغتياله كانوا أيضاً يستعملون هواتفهم الخاصة المسجّلة بأسمائهم في شركات الخلوي ALFA وMTC، حيث كان المتآمرون يتصلون بالهواتف المسجّلة بأسماء مستعارة وهواتفهم الخاصة المسجّلة بأسمائهم الصحيحة في الوقت عينه، لأنّهم ما كانوا يدركون أنّ حركة الإتصالات Traffic الصادرة من الموقع ذاته في اتّجاه مواقع معينة التي تمر عبر محطات هاتفية للبثّ الخلوي يمكن تعقّبها بعد أن امتلكت الدولة اللبنانية تقنيات خاصة في هذا الصدد. كذلك تمّ شراء الخطوط الهاتفية المستعارة وتسديد كلفتها نقداً وتسديد كلفة التخابر بالطريقة عينها.
وبالتالي تأكّد هذا الدليل الأساسي الذي يثبت هوية المتصلين الخمسة موضوع القرار الإتهامي مع ثغرة تمثّلت في عدم معرفة جميع أعضاء الخلية المتآمرة المؤلّفة من 13 شخصاً، خمسة منهم معروفون بالنسبة الى القرار الإتهامي (يترأّسهم مصطفى أمين بدر الدين القيادي الأمني في حزب الله) وثمانية بقوا مجهولين.
كذلك أكّد القرار أيضاً أنّ التفجير تمّ بواسطة إنتحاريّ كان موجوداً في داخل “الميتسوبيتشي” وليس من خلال احتمال قصف الموكب من الجوّ، مثلما صرّح البعض، إذ إنّ كلّ الصور التي استند إليها القرار الاتّهامي أظهرت وجود هذا “اﻠﭭان” يمرّ من داخل نفق الرئيس سليمان فرنجية وصولاً إلى مكان الجريمة، ثمّ اختفاؤه عن عدسات الكاميرات المنتشرة على الأبنية (بعد وقوع الإغتيال) في اتّجاه الروشة مع ثبوت تناثر أجزائه، وتمّ اكتشاف أرقام محرّكه ومعرفة مكان شرائه والجهة التي استوردته وطريقة تسديد ثمنه نقداً، وفي المقابل أبرز الدفاع صورة ﻠـ”ﭭان” مماثل بعد التفجير بتسع دقائق، لكن بدا في محيطه أنّ الحال طبيعية وكأنّه لم يحصل إنفجار!
وتمّ التأكيد أنّ “أبو عدس” ليس الإنتحاري، إذ أثبتت فحوص الحمض النووي للعيّنة العائدة لعائلة أبو عدس أنّها لا تتشابه مع العينات المستخرجة من بقايا جثة الإنتحاري الذي كان يقود “اﻠﭭان” الذي كان يحتوي نحو 2500 كلغ من مواد C .FOUR وRDX و TNT، كذلك تمّ التأكيد أيضاً أنّ حمَلة هذه الهواتف الخلوية المستعارة كانوا قرب غرف الإتصال العمومية التابعة لمؤسّسة OGERO، حيث اتصلوا بوكالة “رويترز” وقناة “الجزيرة” طالبين تسلّم الشريط الذي سجّلوا فيه “أبو عدس” يعلن مسؤوليته عن التفجير الإنتحاري وهو تابع لـ”جبهة النصرة” (وكانت المرّة الأولى التي نسمع فيها بإسم هذه الجبهة).
ويُذكر أنّهم كانوا قد استدرجوا “ابو عدس” من الجامع الذي يصلّي فيه، وبعد أن سجّلوا الشريط اتّصلوا من طرابلس بعائلته وأعلموها أنّه سيعود بعد إصلاح السيارة التي ستقلّه إلى بيروت، ثمّ قالوا إنّه مشغول في تصليح سجّادة ولاحقاً إنه قرّر الذهاب إلى العراق، ومنذ ذلك التاريخ لم يتمّ اقتفاء أيّ أثر لأبي عدس.
ثبوت تحرّكات المتآمرين بتعقّب الحريري في اتّجاه القصر الجمهوري أو مقرّ مجلس الوزراء أو مجلس النواب، أو ذهاباً للصلاة في الجامع أو للقيام بواجب العزاء، وتوقّف التعقّب يوم سافر إلى الخارج، وانتقال خطوطهم ليلاً إلى الضاحية الجنوبية لبيروت وأحياناً توقّف استعمال هذه الخطوط بعد وصولها إلى الحدود اللبنانية ـ السورية وإعادة فتحها من الحدود السورية ـ اللبنانية في اتّجاه بيروت في ضاحيتها الشمالية والجنوبية، كذلك ثبوت استعمال هذه الخطوط بوتيرة عالية في الليل الذي سبق التفجير ولمدّة نصف ساعة من وقوع الجريمة واستمرار إرتفاع هذه الوتيرة حتى الدقيقة الأخيرة قبل التفجير، إذ لا يمكنها أن تتّصل بـ”اﻠﭭان” في لحظة مرور موكب الحريري الذي يشوّش على الإتصالات ما يؤكّد أنّ الإنتحاري فجّر نفسه يدويّاً من داخل “اﻠﭭـان” وليس عبر Remote Control.
يبقى أن نشير إلى أنّ هذا القرار إستند إلى أدلّة يستند إليها القضاء اللبناني، مثلما فعل يوم اكتشف خاطفي الأستونيّين وخاطفي بعض اللبنانيين مقابل فدية، ومرتكبي عدد من الجرائم، ولا سيّما منهم المتعاملين مع إسرائيل ومرتكبي تفجيرَي طرابلس والسفارة الإيرانية، لكنّ هذا القرار يستند أيضاً إلى شهادة الشهود الذين بدأوا الإدلاء بشهاداتهم إبتداءً من 22/1/2014، كذلك سيستند إلى تقارير الفنّيين. وإذا استمرّت وتيرة الجلسات على هذا النحو بعد حسم مسألة ضمّ ملف المتّهم الخامس، فإنّ من المتوقّع أن تنتهي هذه المحاكمات في خلال سنتين في مرحلتها الإبتدائية، وربّما لمدة مماثلة في مرحلة الإستئناف، وهذا تقريباً شبيه لمدة المحاكمات أمام القضاء اللبناني، لا بل أسرع منه أحياناً، سواءٌ أمام قضاء الحكم أو أمام قضاء التحقيق أو في دعاوى بسيطة قد يستمرّ التحقيق فيها لسنوات قبل أن تحال إلى قضاء الحكم. وما نموذج توقّف التحقيق في قضية الوزير السابق ميشال سماحة وسواها إلّا خير دليل على ذلك.
أمّا إذا قلنا إنّ هذا الحكم لن يؤثّر على وضع القتَلة المستمرّين في جرائمهم باغتيال فريق سياسي معيّن، فإنّ هذه العدالة، وإن كان لها بُعد عقابيّ، لكنّ الحكم المعنوي للرأي العام العالمي والعربي والإسلامي واللبناني الذي سينزل بالقتلة، سيكون أشدّ وطأةً على الجناة، فلا تغتالوا مفهوم العدالة الذي يحتاجه العالم العربي، لا بل هو اليوم بأَمسّ الحاجة إليه.