Site icon Lebanese Forces Official Website

جعجع وحيداً يتحدّى النهر كما الزنزانة

كتب طوني عيسى في صحيفة “الجمهوريّة”:

ما تمرّ به «14 آذار» يطرح أسئلة عميقة: الرئيس سعد الحريري، يحيد عن ضفة النهر. إقتنع بأنّ حليفه السابق (الحالي؟)، النائب وليد جنبلاط، كان مُحقّاً عندما تخلّى عن «القلب»، في ملف والده، وفضّل عليه «العقل».

هناك مَن يقول إن يوماً سيأتي لا يعود فيه أحد من أبطال الساحة المليونية في 14 آذار 2005 مستعداً للتضحية بنفسه إكراماً للقلب. والمسألة مسألة وقت فقط. ويسأل البعض: إذاً، هل كان لـ”ثورة الأرز” قلب لا عقل؟ وهل الشهداء ذهبوا ضحية القلب لا العقل؟

على الطريق، يغادر الآذاريون قطارهم تباعاً، أو يختار كل منهم واحدة من مَرْكَباته ويستقلُّ بها ويستقلُّها إلى مكان آخر.

– الأول كان النائب ميشال عون. سريعاً، شعر بأنّ مركب “الثورة” يتمايل، ولن يوصله إلى حيث يريد، وهو يريد الكثير. وأدرك أبعاد “الحلف الرباعي”، فقرَّر الذهاب مباشرة إلى الهدف، بدل إنتظار الآخرين ليأخذوه إليه.

في البداية قال: “نلتقي في نقاط مع “حزب الله”. نحن متفاهمون فقط ولسنا متحالفين”. لكنه مع الوقت، إنغمس مع “الحزب” حتى التلاحم.

ورمزية عون في “الثورة” أساسية: إنه صاحب “حرب التحرير”، ورافع راية الـ1559، وأبرز المنظّرين ضد سلاح “حزب الله”. وفي المرحلة السورية، كان العونيون يستخدمون عبارة “الإحتلال السوري”، فيما آخرون إلتحقوا بـ”ثورة الأرز” سلّموا مفتاح بيروت للواء غازي كنعان.

– الثاني هو جنبلاط. وأساساً هو حافظ على شعرة مع “الحزب”. فللرجل وزعامته وطائفته خصوصيات أمنية، في جبل مفتوح ومخروق بين الضاحية وبعلبك – الهرمل. وهو بَكَّر في تسويق فلسفة “الحلف الرباعي”. وقال للأميركيّين: سلاح “الحزب” مسألة داخلية. وسيتخلّى عنه عندما ينخرط في الدولة. ولكن حصل العكس. وبعد 7 أيار 2008 والقمصان السود… جنبلاط هو الذي إنقلب.

في البداية حاول طمأنة رفاقه بأنه باقٍ معهم، ثم بدأ التذبذب على ضفاف الوسطية. لكنّ حرب سوريا دفعته إلى أحضان “حزب الله” نهائياً. وحتى الوردة على ضريح كمال جنبلاط باتت غالية الثمن. والإنتظار على ضفة النهر بات مغامرة قاتلة. ورمزية جنبلاط أنه محرِّك “الثورة”. إنه “رفيق الرفيق” وحامل أسراره ولُغز إغتياله. وهو الأعتق سياسياً والأكثر خبرة ودهاء. وإنتقاله يكفل إنتقال طائفة بكاملها، سياسياً، من محور إلى آخر.

– الثالث هو الحريري. وبالتأكيد لا مجال لتشبيه وضعيته بوضعية عون، ولا بوضعية جنبلاط… حتى الآن. فهو يكرِّر أنّ لا شيء يفرِّقه عن الرفاق في “14 آذار” سوى الموت… لكنّ ملف الحكومة، إذا شاء القدر أن تولد، يفرّقه عنهم. وفي العادة، يصبح التمايز إختلافاً ثم إفتراقاً إذا لم يتم إستيعابه.

وفي أيّ حال، تخوض “14 آذار” تجربة حساسة. وربما يرفض الحريري، إذا إختلف مع بعض الرفاق، أن يتخلّى لهم عن “اليافطة” الآذارية، وقد يقول لهم: أنا هو “14 آذار” الحقيقي…

وأما رمزية الحريري فلا حدود لها. إنه وليّ الدم. وهو وريث رفيق الحريري بحجمه المحلي والإقليمي والدولي، والزعيم الأقوى للسنّة.

– يبقى الجناح المسيحي في “14 آذار”: “القوات اللبنانية” و”الكتائب” والمستقلون.

“الكتائب” تتمايز أساساً عن الرفاق، سواء في النظرة إلى الواقع التنظيمي أو الملفات السياسية. وهي بقيت “متّهمة” بالمبالغة في الإنفتاح، إلى أن فاجأ الحريري جميع المعنيين بذهابه أشواطاً أبعد منها. وتقول “الكتائب”: نحن أُمُّ الصبي، ونهجنا السيادي مدفوعٌ ثمنُه دماً.

أما “القوات”، فترفع صوتها وحيدة، على رغم صوت “الطيران التجسُّسي الغامض” في سماء معراب، وقول الدكتور سمير جعجع “إنهم يهوِّلون” و”التحضير لإغتيالي مستمر”.

وقيل لجعجع: أنتَ الأدرى بعواقب السير خلافاً للريح الدولية والإقليمية. أنتَ دفعتَ من عمرك 11 عاماً في الزنزانة من أجل ذلك. فهل تكرِّر التجربة؟ لكنّ رئيس “القوات” ما بدَّل تبديلاً… حتى اليوم. ربما لإدراكه أنّ لا مجال لزنزانة أخرى لأحد بعد اليوم، أو لإعتقاده أنّ لا حكومة في الأفق، فلماذا يخسر من رصيده مجاناً، كما خسر في “الأرثوذكسي” فيما المكتوب تعطيل الإنتخابات؟

في “14 آذار”، “القوات” وحدها بقيت عند ضفة النهر. فهل تتعب أيضاً بعد حين، أم تفضّل البقاء “حيث لا يجرؤ الآخرون”؟

Exit mobile version