#adsense

عيد العدالة فـي ذكرى وسـام: دمُه افتدَى الحقيقة

حجم الخط

تختصر قصة وسام عيد الرائد الشهيد في قوى الأمن الداخلي، حكاية التحقيق الدولي ومسيرة الحقيقة التي لطالما انتظرها اللبنانيون بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

عيد العدالة الذي لم يحضره وسام، عند انطلاق المحكمة التي كان وسامها في لاهاي، بدا عيداً حزيناً. عندما بدأ الإدعاء العام يسرد تفاصيل القرار الاتهامي بحق المتهمين من “حزب الله”، كان الجميع يعود بالذاكرة الى وسام عيد، الى التحقيق الذي قام به في شبكة الاتصالات، الذي أدى الى كشف الخيوط الاولى لعملية الاغتيال، والذي كان المادة الاساسية للأدلة التي استند اليها محققو لجنة التحقيق الدولية، وأبرزهم دانيال بلمار.

من هو وسام عيد؟ كيف بدا عمله في قوى الأمن الداخلي؟ كيف ظهر تفوقه؟ مَن ساعده؟ مَن شجعه على إجراء هذا التحقيق الذي كلفه حياته؟

في الطائرة الى لاهاي كان محمود والد وسام ووالدته، من أبرز اهالي شهداء “ثورة الأرز”. الوالد الهادئ الذي يعلم كل التفاصيل عن المرحلة التي عمل خلالها ابنه، يردد دائماً أنّ وسام هو الذي أنجز القسم الأكبر من تحقيق الاتصالات. الوالد متقاعد من سلك قوى الأمن الداخلي، عمل طويلاً في ملف التحقيق الجنائي، وهو يعرف عما يتكلم. أما الوالدة فهي “أم الشهيد” مثلما تريد أن تُنادى. صلابتها في تحمل استشهاد ابنها تهدّ الجبال. ليست مستسلمة للقدر، كلامها عن وسام يوحي بالفخر والثبات، وهي تنتظر محاكمة الجناة ولو بعد مئة سنة.

من هذين الأبوين وُلد وسام عام 1976 وعاش وسط عائلة من اربع أشقاء: وئام، عزام، محمد، سيرين. طفولته كانت هادئة حسب ما تقول الوالدة، ينام كثيراً، يلعب، يراقب، ذكي جداً، متفوق في مدرسته منذ الصغر.

درس وسام في مدرسة “روضة الفيحاء” في طرابلس، ثم أكمل علومه الجامعية في البلمند، حيث تخصص في هندسة الكومبيوتر بمساعدة مؤسسة الحريري، وخرج بمنحة مادية بعد تفوقه مكنته من شراء أول سيارة في حياته بماله الخاص.

شكّلت “خدمة العلم” تحولاً في حياته، فقد نفذ هذه الخدمة في قوى الأمن الداخلي وكان يومها مديرها العام اللواء عبد الكريم ابراهيم، الذي ما أن عرفه إبن من، حتى اتصل بوالده، لكي يقنعه بأن ينتسب الى السلك، ذلك بعد أن خدم فترةَ الخدمة الاجبارية في قوى الامن. يقول الوالد إنّ اللواء ابراهيم فتح دورة انتساب خاصة، كي يفتح المجال أمام وسام ليدخل الى قوى الأمن ويستفيد من خبرته في شعبة المعلوماتية.

تقدم وسام لهذه الدورة ونجح، لكنها جُمّدت لخلاف على التوازن الطائفي. فعرض عليه اللواء ابراهيم التعاقد مع قوى الامن كمهندس كي يستكمل عمله، لكنه فضّل الذهاب الى قطر بعد أن طلبته شركة معلوماتية هناك.

في وقت كان وسام في قطر يعمل سعيداً، صدر مرسوم دورة الضباط التي نجح فيها، ففضل البقاء هناك، لكنّ اللواء ابراهيم طلب رقم هاتفه من والده واتصل به وأقنعه بعد جهد بالعودة، وهكذا كان.

معرفته الاولى باللواء أشرف ريفي كانت في معهد قوى الأمن حيث درّسه مادة حقوق الانسان. من التعارف الاول وجد ريفي في وسام ضابطاً متفوقاً، ويُستفاد منه كثيراً لتطوير قدرات قوى الأمن الداخلي. يومها لم يكن ريفي قد تسلّم القيادة. كان يتولى رئاسة قسم المباحث الجنائية، وأراد ضم وسام الى هذا القسم. لكنّ اللواء مروان زين أراده في قسم المعلوماتية.

اغتيال الحريري

باغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 كان وسام عيد أحد أبرز الاشخاص الذين قُدّر لهم المشاركة في التحقيق. عُيّن ريفي مديراً عاماً لقوى الأمن الداخلي، فكان أول من فكّر بالتعاون معهم لتقوية فرع المعلومات العقيد سمير شحادة والعقيد وسام الحسن، والنقيب وسام عيد وغيرهم من ضباط يتولون حالياً إدارة فرع المعلومات.

بدأت التحقيقات وسط ظروف صعبة. كانت قناة الاتصال مفتوحة بين فرع المعلومات و”حزب الله” عبر الحاج وفيق صفا. كان وسام يسير في تحليله لـ”داتا” الاتصالات، ويقترب من بلورة الصورة الأولى لحاملي الهواتف والشبكات، وفي هذه الأثناء تعرض لمحاولة اغتيال أولى في منزله في حي الاميركان في الحدث. حصل اجتماع أو أكثر بين الامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله وريفي والحسن، حيث وضعا الحزب في نتائج التحقيق الاولية وطلبا التعاون، وما لبث بعد هذا أن اغتيل وسام، الذي لم يكد يقدم تقريره كاملاً حول نتائج تحليل الاتصالات لتطاوله يد الاغتيال بعد أيام.

مشاهدات الوالدة

تقول والدة وسام إنّ المرة الأخيرة التي زار فيها منزل والديه كانت قبل ايام من الاغتيال. كان يحضر عرساً للأقارب. تلقى هاتفاً أزعجه كثيراً فانقلب وجهه وغابت ضحكته. لم يكن يتكلم كثيراً عن تفاصيل عمله. كان كتوماً. لكنّ أهله كانوا يعرفون منه بالتواتر أنه يتلقى تهديدات، وأنه متأكد من أنه سيُقتل. كان يحب فتاة وانفصلا، على الأرجح أنّ طبيعة عمله في آخر حياته لم تسمح له بالاستقرار. كان يقول: “كيف يمكن أن اتزوج وأبني عائلة وأنا مهدّد بالموت؟. حاول في أيامه الأخيرة ألّا يتنقل بـ”الجيب” العسكري، أوصى بشراء سيارة، واشتراها فعلاً، لكنه استشهد قبل أن يقودها.

قال وسام الحسن لوالديه بعد استشهاده: “اغتيال وسام كسر ظهري، من الصعب أن يعوّض فرع المعلومات خسارته. اريد منكم أن تعتبروني كإبنكم، كوسام الذي ضحى بحياته لكي تُعرَف الحقيقة وتنطلق المحكمة”. ومن المفارقات المحزنة أنّ وسام الحسن قدم التضحية نفسها بعد سنوات.

وتحيي العائلة وقيادات سياسية غداً في دير عمار ذكرى استشهاد وسام، ويوجّه الوالدان اللذان عادا من لاهاي الشكر الى الرئيس سعد الحريري، الذي بقي الى جانبهم، كذلك يشكرون ريفي الذي اعتبر أنّ استشهاد وسام قضيته.

تمرّ هذه الذكرى فيما المحكمة انطلقت، وطيف وسام عيد يتنقل في ارجائها معلناً بداية زمن العدالة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل