#adsense

“سداسية” الشهيد عيد تزهر في لاهاي

حجم الخط

لا يمكن ذكر الشهيد وسام عيد، هذا العام، من دون الولوج إليه من باب المحكمة الدولية والعدالة المُحكَمة. منذ اليوم الأول لانطلاق عمل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، كان الشهيد وسام عيد حاضرا في كل تفصيل. شكراً وسام عيد، وإن كان الشكر لا يفيه أتعابه وحرصه على تبيان الحقيقة وحسن سير التحقيقات التقنية العالية خدمة للعدالة، وإن كان الشكر لا يعوّض أهله ولبنان بأجمعه عن غيابه، إلا أن “عيد العدالة” آتٍ في ذكرى استشهاده السادسة.

لهذا لم يُردْ مُخطِّط الجرائم الإرهابية أن يستكمل عيد تحقيقاته، حتى لا يُفتضح أمره وأمر المتّهمين الخمسة فيتم الوصول إليهم بسرعة بدت مفاجئة بالنسبة الى القاتل. ما كشفه عيد قبل استشهاده بتاريخ 25 كانون الثاني 2008 من حيث ربط شبكة الاتصالات ببعضها وصولا الى تسمية المجرمين بالأسماء بوسائل أقل تطوّرا من تلك التي يستخدمها فريق التحقيق في المحكمة، يوازي بأهميته ما توصّل إليه الفريق اليوم موسّعا تحقيقاته، وهذا ثابت مهما حاول فريق الدفاع عن المتهمين النيل من إنجازاته أو إسنادها الى غيره مستندا الى فرضيات مضلّلة.

تقدير دولي

يوم الجمعة الماضي وفي اليوم الثاني لانطلاق “زمن العدالة”، وجّه رئيس المحكمة الخاصة بلبنان ديفيد باراغوانت الشكر الى الشهيد وسام عيد، ممثلا بوالده محمود، لما أنجزه ابنه قبل استشهاده، ولولا أن قواعد المحكمة تمنع الوقوف دقيقة صمت لكان طلب رئيس المحكمة ذلك.

إنه لفخر للبنان أن يستند فريق الاتهام في أدلته الى ملف “داتا” الإتصالات الذي طوّره الشهيد وسام عيد. هو الملازم أول في شعبة المعلومات والذي اغتيل بعد يومين على إبلاغ ما لديه من معلومات وتحليلات هاتفية عن الشبكة التي اغتالت الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والتي تعتبر الدليل الجنائي الذي “أمسكته” شعبة المعلومات برئاسة اللواء الشهيد وسام الحسن ورئيس الفرع الفني برئاسة الرائد الشهيد وسام عيد.

الشهيد والشاهد

في الحازمية، اغتيل عيد ورفيقه أسامة مرعب. قبل أقل من سنة على اغتياله، كان قد تعرض عيد لمحاولة اغتيال في منزله في حي الأميركان، حيث وضعت عبوة ناسفة على باب منزله، وقد أدى انفجارها إلى إصابته في أنحاء متفرقة من جسده. وسام عيد اخترق المحظور وتجرأ بضمير الوفاء للبنان على أن يلج باب الممنوع من النشر ليضع بين أيدي العدالة واللبنانيين معلومات لا يحميها سوى رصد السلاح، فكان عمل الشهيد عيد فخرا للبنان قبل استشهاده وشاهدا على الحق والحقيقة بعد 6 سنوات على اغتياله.

لم يعتمد الشهيد وسام عيد على فريق ضخم في تحقيقاته، هو اتّكل على رفاقه في شعبة المعلومات وغاص في سلسلة الاتصالات اللامتناهية مفنّدا الروابط بينها، وطارحاً نوعاً جديداً من أساليب التحقيق المتعارف عليها في لبنان، التي بدت مع انطلاق المحكمة كأنها ابتكار جديد من التحقيق تبعاً للأسلوب الدولي. حلحل وسام القطب المخفية في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وفضح المجرم ونزع عنه قناع “المقاومة” وجرّده من صفة احتكرها لسنوات وهي الدفاع عن لبنان، الى حين اتّضح أنه يدافع فقط عمن رفعهم الى مصافي “القدّيسين” الحاقدين على كل من “يَنبُش” لغز اغتيال الرئيس الشهيد.

تنبّه القاتل الى وسام عيد، واغتاله بعبوة ناسفة لإعاقة مسار العدالة ومحاولة القضاء على إرادة منع الاغتيال السياسي في لبنان، فهل نجح؟ لا قاطعة، لم ينجح لأنه ترك إرثا “مذهلا” للمحكمة الدولية. وسام عيد أربك القاتل فرصده قبل ستة أعوام في انفجار تقاطع الشيفروليه في محلة الحازمية، قدّر بنحو خمسين كيلو غراماً من مادة الـ” تي أن تي”، واستشهد معه المعاون أول أسامة مرعب كما استشهد كل من المواطنين: رجا المغربي، سعيد عازار، آلان صندوق والياس فارس الذين صادف مرورهم لحظة التفجير في المكان. كلهم دفعوا ثمن الحرية كأبرياء وأبناء لهذا الوطن، يبحثون عن عيش كريم.

هكذا أوقع القاتل نفسه في مصيدة وسام عيد، فكل التحقيقات في شبكة الهاتف كانت تمرّ عبره ومن قتله أراد أن يمنع شعبة المعلومات من التوغّل في سيناريو الجرائم الإرهابية. فقبل اغتيال عيد، كانت الشعبة قد تعرضت لضربة قوية بمحاولة اغتيال المقدم سمير شحادة خلال تنقله بين صيدا وبيروت، محاولة الاغتيال تلك والتي ادت الى استشهاد أربعة من الأمنيين ونجاة شحادة بالصدفة، كانت مفتاح توجيه الضربات الى الجهاز الأمني الذي استطاع ان يخطو خطوات كبيرة في مساعدة لجنة التحقيق الدولية للوصول إلى المحكمة الخاصة بلبنان.

مهندس الحقيقة وشهيد “المعلومات”

للعام الثاني، تحضر ذكرى وسام عيد بغياب الشهيد اللواء وسام الحسن الذي اغتيل بعبوة ناسفة، بعدما قبض على مجموعة من أكبر عمليات التفجير حين أوقف ميشال سماحة مع عبواته الناسفة. فالشهيد الحسن كان يعتبر وسام عيد واحداً من أقدر الكفاءات التي خسرها لبنان، وهو كان يعلم بحسه الأمني وقدرته التحليلية التي رفعت من قدرات شعبة المعلومات. وكان للرائد عيد دور في تحديث شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، وهو كمهندس اتصالات استطاع ادخال تقنيات حديثة على عمل القسم الذي يديره. وهو الأمر الذي أسهم فعلياً في تعديل الكثير من توجهات القسم الفنية والتقنية، ولدوره هذا المرتبط بكثير من المخاطر، تعرض لأول محاولة اغتيال في منزله، حيث كانت وضعت قنبلة انفجرت قبيل وصوله إليه، مما سرّع في تغيير مكان اقامته والانتقال إلى منطقة “السبتية” للابتعاد قدر الامكان عن محاولات القتل.

اغتيال عيد استدعى طلب الحكومة اللبنانية برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة آنذاك، من مجلس الأمن الدولي أن تقوم لجنة التحقيق الدولية بتقديم مساعدات فنية وتقنية في التحقيقات التي تجرى في الجريمة وهو ما حصل يومها، حيث أظهرت الآلاف من الأدلة البسيطة والصغيرة التي تمّ جمعها في ذلك اليوم الكثير من الصور عن العملية، والتي تشبه عدداً آخر من عمليات الاغتيال التي نفذت سابقاً.

يصف زملاء عيد وعارفوه الضابط الشاب بـ “الماهر والذكي والمتقن لعمله”، هو الذي أماط اللثام عن جريمة تفجير حافلتَي نقل الركّاب في بلدة عين علق بُعيد وقوعها في 13 شباط من العام 2007 حيث استطاع رصد الاتصالات الهاتفية التي تمّت بين الجناة الفارين، وأدّت إلى توقيف أحدهم قبل أن تكرّ سبحة التوقيفات. وهو كشف ايضاً العلاقات التي تربط “فتح الاسلام” بالمخابرات السورية وتحديدا باللواء آصف شوكت، وأسهم مساهمة فعالة في تحليل الاتصالات الهاتفية التي كشفت عن معطيات مهمة تتصل باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ومع اقتراب موعد قيام المحكمة ذات الطابع الدولي، برز للرائد عيد دور اساسي مع اللجنة وكانت الاجتماعات متواصلة مع رئيسها الجديد يومها لتوضيح خطة عمله التي كانت مفاجأة للجميع.

وسام عيد شاب كغيره من الشباب، يتمتع بالإرادة والعزم والطموح. هو ابن دير عمار الخلوق الذي واظب ليفي أهله أتعابهم، ليرفع رأسهم بوصوله الى قمة التضحية من أجل لبنان. كان وسام الأمل لكل عائلة يسعى الأبناء فيها الى التغيير الجذري في عالم عربي بات البحث فيه عن الحقيقة كمن يبحث عن إبرة في كومة قشّ. وخسارة الإبن ليست بالأمر الهيّن، فمسحة الحزن تلازم العائلة والمنزل الذي احتضن الشهيد طفلاً وشاباً وطنياً وتلميذاً في المدرسة الحربية تربّى على حبّ الوطن وخدمته.

لا شكّ في أن الأهل يشتاقون الى ضمّ ابنهم في كل لحظة، يتألّمون بصمت، بالتأكيد هم يبكونه ويتمنون لو استغلوا كل الأوقات قبل استشهاده ليمضوها معه، لكنهم مدركون أن الحق لا يموت. وسام عيد حمله نجاحه الى العالمية بعد استشهاده، ووالداه حملا دموعهما وأحزانهما وغصّتهما الى لاهاي للمطالبة بالعدالة الى جانب الرئيس سعد الحريري. فالآلام تجمع قلوب الناس وتضاعف تماسكهم.

لبنان لم ينسَ الشهيدين عيد ومرعب، وأقل الإيمان أن تصبح قضية اغتيالهما دولية لتبيان الحق والعدل. فالقتل العنيف من دون رحمة لا يقابله سوى العدالة والحقيقة المدوّية، والقاتل ليس ما يوقع به سوى الأدلة والبراهين وتسمية الأشياء بأسمائها. فالجرم والإعداد له سريّ أما المحاكمة فعلنية، ولا شكّ ستبرد قلوب يعتصرها الحزن على فقدان الأحبّاء والأبناء وشهداء لا ذنب لهم سوى أنهم أحبّوا لبنان وأخلصوا لانتمائهم الى بلد كتب له أن يتعمّد بالدم الى أن يأتي يوم قيامته.

الرائد والمعاون

انخرط الشهيد الرائد وسام عيد في السلك العسكري في العام2001 برتبة ملازم مهندس مع أقدمية سنتين في الرتبة والراتب وتدرّج حتى نقيب مهندس ومن ثم رقي إلى رتبة رائد مهندس بعد استشهاده ونال وسامَي الحرب والجرحى وميداليتي الأمن الداخلي والجدارة. تنقل في خدمته العسكرية في مراكز عدّة من معهد قوى الأمن الداخلي الى شعبة المعلوماتية ومكتب مكافحة جرائم السرقات الدولية لينتهي برئيس المكتب الفني في مصلحة الاتصالات وشعبة المعلومات.

الشهيد المعاون أسامة مرعب ابن البيرة عكار، دخل السلك العسكري في العام 1997 برتبة دركي متمرّن وتدرّج حتى رتبة رقيب أول. بعد استشهاده رقي إلى رتبة معاون ونال وسامَي الحرب والجرحى وميداليات الأمن الداخلي والجدارة العسكرية ووزارة الداخلية والبلديات. خدم في مراكز عدّة من معهد قوى الأمن الداخلي الى وحدة القوى السيارة ومن ثم فوج التدخل السريع والسرية الخاصة ووحدة الشرطة القضائية ومكتب مكافحة الجرائم المالية ومفرزة طرابلس القضائية ووحدة جهاز أمن السفارات وفوج الإدارات العامة (مجموعة قصر عدل بعبدا).

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل