رغم كل المحاولات “الميقاتية” البائسة ومجهود فريقه اليومي لاستقطاب جمهور “تيار المستقبل” بعد قرار المشاركة في حكومة مع “حزب الله”، المتهمة عناصر منه باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، أكان على أرض الواقع أو عبر شبكات التواصل الإجتماعي، يبقى رئيس “تيار المستقبل” الرئيس سعد الحريري الأقرب الى جمهوره وناسه وأهل طرابلس وفي عقر دار رئيس الحكومة المستقيلة نجيب ميقاتي.
لا يختلف اثنان من أهل المدينة، على حقيقة مؤلمة يعرفها ميقاتي ودائرته المصغرة، وتزداد إيلاماً في ظل “العجز” عن تغييرها، مهما حاولوا الإنقضاض على صورة الحريري ونواياه ومحاولة تشويههما.
عندما يطرح الحريري بنفسه مشروع مد اليد لشراكة مع “حزب الله”، يتراءى للجميع صورة الرئيس الشهيد ودأبه على مد اليد للجميع، فيستذكرون حرصه على لمّ الشمل والوطن بعبارات راسخة في عقولهم كصورته، ومنها عبارته الشهيرة “ما حدا أكبر من بلده”.
وهنا، يرى الجميع مباشرةً العلاقة بين ما يقول الوالد وما يفعل الإبن، ليبنوا الصلة والعلاقة بانسيابية عالية بين التضحيات وتكرارها، فتترسخ معها وبسرعة فائقة صدقية سعد الحريري وطيبته ووطنيته وصدقه بتحالفاته وخطواته المستمرة كخط واضح ثابت، ترسمه معالم إحساسه بمسؤولية وطن وشعب ملقاة على عاتقه, أقله إتماماً لمسيرة نموذج الأب الراسخ في أذهان الناس وتعلقهم به كنهج لا حاجة لتفسيره، لتعود الثقة كما كانت عليها لقلوب مناصريه قبل خياراته الجديدة.
في المقابل، تبدو الأية معكوسة عند ميقاتي المنقلب على تحالفاته، المتردد في قراراته، والذي لا يحظى بنموذج ونهج واضح يرتكز عليهما ليثبت مصداقية ما يبني عليها، سوى تلك المتمثلة بانقلابه على أهله وفقدان مصداقية وعوده لناخبيه وناخبي “تيار المستقبل” وجمهور “14 آذار” وأهل مدينته، ناهيك عن تاريخه الذي بات يعرف من خلال تأليفه للحكومة السابقة بـ”الإنقلابي الرمادي”، والذي ينعته البعض بصفة الخيانة لانتماء المدينة بأغلبيتها الساحقة لمشروع 14 آذار، ومعارضتها لمشروع الدويلة على حساب الدولة، وعدائها التاريخي لحليفه النظام السوري وعائلة الأسد، عبر شراكته المعروفة مع آل مخلوف في الكثير من القطاعات الإقتصادية وعلى حساب الشعبين السوري واللبناني معاً.
وعندما يمد الشيخ سعد الحريري يده لشراكة وطنية جامعة، فهو يرتكز على كتلة نيابية عريضة تسمح له باتخاذ هكذا قرار، مدعوماً بأغلبية سنية معتدلة ووطنية منتشرة على كافة مساحة الوطن، جعلته ممثلاً شرعياً مؤتمناً على قرارها.
وفي المقابل، تبدو الآية معكوسة عند ميقاتي الخارج من رحم توافق مع لائحة “المستقبل” في طرابلس، والتي انتقل منها إلى الضفة الأخرى وقلب الموازين واُتهم بإضعاف الطائفة وشرذمتها، وبإهداء حكومة كاملة إلى “حزب الله” والنظام السوري في لحظات مفصلية من حياة الصراع الداخلي والإقليمي القائم، مرتكزاً على حضور شعبي محصور بمدينة طرابلس من دون امتداد فعلي، وبكتلة نيابية تتمثل بشخصه وبحليفه النائب الوزير أحمد كرامي، الذي بذل الحريري مجهوداً كبيراً لقبوله من مناصريه على لائحته في طرابلس عام 2009.
يضاف إلى كل ذلك عامل أساسي يعيق حركة ميقاتي ومحاولة امتداده على مساحة الوطن والمتمثل بفقدان قضية رافعة تحوله من رئيس “حكومة الفرصة” إلى زعيم وطني وقائد، على عكس الحريري، الذي هو إبن شهيد كبير وصاحب حق بقضية تطال الكثير من أخواته، أبناء رفيق الحريري بالتبني، والذي يحظى بقضية إنسانية محقة عادلة، تبناها الناس بفطرتهم الطيبة المعهودة لمظلوميتها ولعدالتها ولحبهم للرئيس الشهيد، والتي تجعل من ميقاتي باحثاً أزلياً عن قضية تتبناه قبل ان يتبناها!.
ليس ذلك وحسب، فنموذج الميقاتي بالحكم في السلطة لا يقارن أبداً بنموذج حكم “الخط الحريري” في السلطة، والذي ترك بصماته في الإقتصاد والإنماء والإعمار والتربية والسياحة وغيرها، في حين أن التجربة الأخيرة لميقاتي، عمّها الفساد والتراجع الإقتصادي والسياحي والإنمائي والعمراني وسادها اللااستقرار الأمني والأمان الإقتصادي والإجتماعي، بحيث لم يستطع خلال ثلاث سنوات حكم على رأس السلطة التنفيذية تغيير معالم وواقع مدينته التي لديها كل ما يلزم لتصبح عاصمة بحد ذاتها، لا بل شهدت مدينته واقعاً أمنياً مؤلماً لم تعشه من قبل، ولا تزال.
كسبت مواقف الحريري المستجدة رغم قساوتها، وأظهرت أن مخاوف جمهوره تنطلق من هاجس فقدان الثقة بـ”حزب الله” ومصداقيته وتنصله المتكرر من التزاماته ، وليس انطلاقا” من قلة ثقة بالرئيس الحريري، بل خوفاً على الحلم باستقرار فعلي لوطن يعاني، وتثبيتاً لحقهم بقضية الرئيس الشهيد بالعدالة والحقيقة.
المعركة انتهت قبل أن تبدأ، بخسارة جسيمة لـ”الميقاتية”، التي لم تستطع تثبيت قواعد “وسطيته” الضائعة بين الحق والباطل، رغم المحاولات التسويقية المكثفة، لكون المعركة بين الطرفين قائمة بموازين مختلفة وبتجارب مختلفة، وبجمهور وقاعدة ثابتة لا يستطيع ميقاتي كسبها مهما تعالى صوت محازبيه وقياداته، فهو أضاع كل فرص السنوات الثلاث الكارثية من حكمه، لينهي مسيرته بخلاصة مسيرة اللا قرار.. وفشل تجربة!.