لم يحدث أن تكلمت أطراف 8 آذار لغات مختلفة، وحتى متعارضة في المبنى والمعنى، كما تتكلم الآن عن الحكومة التي يجري البحث في تشكيلها… وليس في هذه الأيام فقط، بل منذ فترة طويلة.
كانت ذريعة هذه الأطراف قبل شهور تقوم على اتهام المملكة العربية السعودية بأنها هي التي تمنع الرئيس المكلف تمام سلام وحلفاءها في قوى 14 آذار من تشكيل الحكومة، وبأن الهدف من المنع انتظار سقوط النظام في سوريا لكي يتم بعده تشكيل حكومة من قوى 14 آذار وحدها بما يؤدي اليه ذلك من عزل للطرف الآخر، وتحديداً الطائفة الشيعية كما كان يردد اعلام “حزب الله” ومسؤولوه، وما ينتجه التشكيل والعزل من دفع البلاد الى فتنة مذهبية وحرب طائفية وأهلية لا يعرف أحد متى وكيف تنتهيان.
ترافقت هذه الذريعة، وعلى مدى شهور أيضاً، مع حديث هذه الأطراف عن “حرب شاملة” يقودها بنفسه رئيس الاستخبارات السعودية الأمير بندر بن سلطان على مساحة الأرض السورية (واللبنانية والأردنية والتركية وحتى العراقية) بهدف تسريع اسقاط النظام السوري، واذا تشكيل حكومة العزل اللبنانية الموهومة، مع ما يعنيه ذلك من اخراج لبنان مما يسمى جبهة “المقاومة والممانعة” ووضعه تحت الهيمنة الكاملة للشيطان الأكبر وعملائه في المنطقة.
في تلك الفترة لم يكن أحد من أطراف 8 آذار يشذ عن ترديد الاتهامات اياها ضد السعودية بمناسبة ومن دون مناسبة، بينما كان الأمين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصر الله يبشر حلفاءه بـ “انتصارات” تحققها ميليشياه في سوريا، ويدعو قوى 14 آذار الى اللحاق بنفسها والقبول بما يعرضه عليها تحت اسم “حكومة جامعة” ـ صيغة 9×9×6 ـ والا فانه لن يكون ممكناً له ولا لحلفائه الموافقة عليها في المستقبل.
والمفارقة أن التهمة نفسها وجهت الى السعودية عندما استقالت الحكومة السابقة برئاسة نجيب ميقاتي، وحتى عندما جرى تكليف الرئيس سلام بتشكيل الحكومة الجديدة، من دون أن ننسى ما قيل عن العراقيل والعقبات طيلة الشهور العشرة الماضية.
فيما بعد، وخصوصاً بعد الاتفاق بين الدول الـ 5+1 وايران حول ملف الأخيرة النووي والذي وصف بأنه لا يقل عن كونه هزيمة أميركية ماحقة لمصلحة ايران ومحور”الممانعة والمقاومة”، بدأ كلام أطراف 8 آذار على استعداد “الفريق المنتصر” في سوريا وايران (واذا في لبنان؟!) للقبول بحكومة كان يرفضها طيلة الفترة السابقة، وبأن تقوم على أساس صيغة 8×8×8 من دون أي ذكر للثلث المعطل، لكن الادعاء انطلق هنا مجدداً من اتهام أطراف قوى 14 آذار بأنها هي التي تماطل في وضع اللمسات الأخيرة على التشكيلة، مرة بدعوى رغبة “تيار المستقبل” في التأجيل الى ما بعد بدء المحكمة الدولية أعمالها في لاهاي، وأخرى بانتظار بدء مؤتمر جنيف 2 للبحث في الحرب التدميرية التي يشنها النظام الحليف لهذا الفريق في دمشق، نظام بشار الأسد، ضد الشعب في سوريا.
لم يقل هذا الفريق مرة ان المشكلة تكمن داخل صفوفه وبين أطرافه، ولا ان أمر تسهيل تشكيل الحكومة جاء من طهران أو ربما من دمشق نفسها، بل استمر في توزيع الاتهامات هنا وهناك: أولها أن السعودية هي التي أصدرت الأمر بتسهيل تشكيل الحكومة، وثانيها أن رئيس الجمهورية والرئيس المكلف أدركا أخيراً استحالة ما كان ينويانه لجهة تشكيل “حكومة أمر واقع”، وثالثها أن قوى 14 آذار اكتشفت عقم مكابرتها في دعوة “حزب الله” الى سحب قواته من سوريا كشرط للموافقة على تشكيل حكومة سياسية تضمها معه، ورابعها أن السعودية لم تعد تستطيع تحمل عبء تسليحها وتمويلها للتنظيمات المسلحة التي تقاتل النظام في سوريا مثل “القاعدة” أو “الدولة الاسلامية في العراق والشام” أو “جبهة النصرة” وباتت تريد انهاء مراهنتها على سقوط هذا النظام قبل الموافقة على تشكيل الحكومة اللبنانية الخ…
بل لم يقل أصلاً ان ما أبدته قيادته في الحزب من “ايجابية” مستجدة تجاه تشكيل الحكومة، لم يكن الا من نوع المناورة السياسية التي تستهدف التغطية على تورطه في الوحل السوري أقله في المرحلة الحالية، وانه هو الذي اكتشف عقم مراهنته على إحداث فراغ في رئاسة الجمهورية عندما يحين موعد انتخاباتها في حزيران المقبل… وحتى أنه يشترك، طوعاً أو مجبراً، في اللعبة الايرانية مع الدول الـ 5+1 في ما يتعلق بفترة اختبار حسن النوايا في الشهور الستة المقررة في الاتفاق بين الطرفين، بما يعنيه من أن الموقف من لبنان، فضلاً عن الموقف من سوريا، هو جزء من هذا الاختبار.
مع هذا، فقد كشفت الأيام القليلة الماضية أن المشكلة لدى هذا الفريق بالذات، ولدى الحليف المدلل لـ “حزب الله” بشكل خاص (“التيار الوطني الحر”)، وأنها لا تخرج عن الخطاب السياسي للحزب وحلفائه طيلة الفترة السابقة ان في ما يتصل بـ “المداورة في الحقائب الوزارية” أو بـ “التمثيل وفق الأحجام والأوزان”، أو بالثلث المعطل وما يسمى “الثلاثية الذهبية” عن الجيش والشعب والمقاومة… فضلاً طبعاً عن الاتفاق على مرشح واحد من هذا الفريق لرئاسة الجمهورية كما قال السيد حسن أكثر من مرة خلال الشهور الماضية.
والسؤال هنا يلخص أسئلة متعددة يطرحها اللبنانيون منذ سنوات:
ـ هل ما يحدث الآن هو نهاية منطقية للعبة توزيع الاتهامات التي طبعت الشهور العشرة الماضية، فتم تبديلها بهذا الأسلوب لأنه لم يعد ممكناً أن تستمر؟،
ـ أم أنه عبارة عن لعبة أخرى بين قيادة الفريق وحليفه، أي بين “حزب الله” و”التيار الوطني الحر”، للتملص مما التزم به القائد لجهة تسهيل تشكيل الحكومة؟،
ـ أم أن المسألة تتعلق مجدداً بكسب المزيد من الوقت بانتظار اتضاح الصورة بين ايران والمجتمع الدولي، واذاً سلسلة الصور اللاحقة في سوريا والعراق ولبنان؟،
ـ أم أن القيادة وملاحقها ستكون في النهاية قادرة على تنفيذ ما التزمت به؟.
ـ أم أن ما يحدث هو تكرار لمأساة لبنان المتواصلة، ليس بالنسبة الى تشكيل الحكومة فحسب، انما بالنسبة الى مصير هذا البلد وأقداره كلها؟.