#adsense

عن الحريري والمواجهة مع التكفيريّتين

حجم الخط

مرة أخرى يُثبت الرئيس سعد الحريري جرأة استثنائيّة، في مواجهة الرياح العاتية التي خلَّفها قتال «حزب الله» في سوريا، والتي يُسبِّبها في شكل ممنهج النظام السوري الساعي الى ضرب الاعتدال في سوريا ولبنان والمنطقة، ليُبرّر لنفسه الاستمرار في قمع الشعب السوري، ويحاول استعادة وظيفة الشريك للمجتمع الدولي في ما يسميه مواجهة الارهاب.

مهمة الحريري غير السهلة في مواجهة التكفيريّتين أو القاعدتين، هي مهمة محفوفة بالمخاطر، ولكنها لا تندرج إلّا في سياق المسؤوليات التاريخية التي لا مفرّ من تحمّلها. فلقد نجح النظام السوري على مدى ثلاث سنوات، في إجبار الثورة السورية على أن تتحوّل مواجهةً مسلحة، ثم نجح أيضاً في تحويل جزء منها مجموعات تكفيرية دعَمها بالمال والسلاح وأفرج عن زعمائها من السجون، ولاقاه نوري المالكي في العراق في الافراج عن آلاف آخرين، لكي يكونوا نواة دولة “القاعدة” في جزء من سوريا والعراق، ولكي يفجّروا لبنان، بالطريقة نفسها التي كُلِّفت بها منظمة “فتح الاسلام” المصدرة من غرف المخابرات السورية.

مهمة الحريري الصعبة لم تعد تقتصر على مواجهة حال تطرف عنفية، يتم إغراء بعض الشرائح السنّية بالانتساب اليها، بل هي في الاساس مواجهة مع أصوليّتين، بدأت الاولى بحرب مذهبية في سوريا، ووُلدت الثانية بمساعدة مخابراتية من النظام السوري، وهي تحاول الامتداد الى لبنان.

في المهمة السورية، تكفلت المملكة العربية السعودية وتركيا وبعض دول الجوار، في ترتيب المواجهة مع “داعش”، بنت النظام السوري، وقد رصدت لهذه المهمة إمكانات كبيرة، تفوق ما رصد للقضاء على تنظيم “القاعدة” في أراضي المملكة، وهي مواجهة اجتثت رجال اسامة بن لادن من السعودية، علماً أنّ هؤلاء كانوا يحظون بدعم كبير من إيران لكي ينفذوا عمليات نوعية في آبار النفط، وفي المنشآت التي يسكنها الاجانب.

في العراق، المعركة تتشابه لكنّ الظروف تختلف. ومع ذلك فإنّ دوائر القرار في السعودية وغيرها من الدول الاسلامية الكبرى، تعتبر أنّ القضاء على تنظيم “القاعدة”، الذي بات رأس حربة للتحالف السوري – الايراني في المنطقة، بات مسألة وجودية، لأنّ نجاح التكفيريين في القضاء على الثورة السورية، أو تهديد سنّة الانبار وبغداد، أو ضرب استقرار لبنان، لن يؤدي إلّا الى انتقالهم في خطوة ثانية الى مصر والسعودية ودول الخليج العربي، وهذا ما لا يتحمّله الواقع العربي غير المستقر.

أما في لبنان، فالمعادلة بالنسبة الى السنّة أكثر وضوحاً، لكنها لا تقل دقّة عن وضع السنّة في العراق وسوريا. صحيح أنّ مجازر جماعية لم ترتكب بحقهم، كما في سوريا، لكنّ الطائفة التي اختارت مع رفيق وسعد الحريري شعار “لبنان أولاً”، عاقبها المحور السوري الايراني، بشكل لا يمكن إلّا أن ينتج حالات ردود فعل متطرفة: أن يتمّ اغتيال رفيق الحريري، ومحاربة لجنة التحقيق، وإعاقة المحكمة الدولية، واستمرار الاغتيالات، وتنفيذ السابع من أيار، واعتصام وسط بيروت، واسقاط حكومة سعد الحريري، أن توجه ماكينة دعائية تعمل ليل نهار لوصف السنّة بالارهاب، أن توضع مدينة كطرابلس في مرمى اشتباكات مستمرة، أن يتم تفجير المساجد وحماية المنفذين وتغطيتهم، فهذا كله أكبر من أن يتمّ استيعابه بسهولة.

يدرك سعد الحريري أنه مسؤول عن قيادة الاعتدال الى الانتصار. ويدرك أنّ خيار الاعتدال هو الاساس في مشروع رفيق الحريري، الذي كسب الثقة في صناديق الاقتراع. لكنه في المقابل يعرف أنّ المواجهة مع تكفيريّتين متناغمتين في الاهداف، من الأنبار الى صيدا وطرابلس، مواجهة طويلة الامد، فهذا التوأم يتغذى من إرث الاستبداد نفسه، وأساليبه في افتعال التطرف متشابهة، بدءاً من “فتح الاسلام”، وصولاً الى صيدا وما شهدته، بالاضافة الى عرسال وطرابلس.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل