#adsense

الممانعون والجهاديّون والمعتدلون: اللعبة الخطابية الثلاثية

حجم الخط

هل ثمّة بالفعل خطاب آخر غير خطاب “الممانعة” في هذه المنطقة من العالم؟ الأجوبة ستأتي سريعة بأنه “نعم”. ثمة على يمين “الممانعة” خطاب الحركات الجهادية المتطرّفة، وثمة على يسارها خطاب من يقدّمون أنفسهم كمعتدلين وليبراليين. منابر الممانعة من جهتها تعتبر مزاحميها المتطرّفين والمعتدلين وجهين لعملة واحدة. وهذا لو نظرنا ملياً لوجدناه ينطبق على “الجهاديين” أيضاً: يعتبرون الممانعين والمعتدلين وجهين لعملة واحدة في مقابلهم. بدورهم المعتدلون والليبراليون ينظرون الى الجهاديين والممانعين كمتواطئين، موضوعياً أو مخابراتياً. اذاً كل يرى الخطابين الآخرين كمتواطئين ضده. لكن هل يكفي ذلك للتأكيد بأنه ثمة بالفعل خطاب آخر، نقيض لخطاب الممانعة؟

في الواقع، نقطة قوة خطاب “الممانعة” انه “احتوائي” للكثير من مقولات الخطابين الآخرين. ليس أقله، على سبيل المثال، أنّ “حزب الله” يقول بـ”الواجب الجهادي” ضدّ “الجهاديين”، في الوقت نفسه الذي يريد أن يوحي فيه بأنه تنويريّ ضمناً حين يصف أخصامه بـ”التكفيريين”، كما لو أنه يخوض الحرب في سوريا تحت رايات اسبينوزا وليسينغ.

خطاب الممانعة يلتقي اذاً مع خطاب الجهاديين في معاداة الغرب ايديولوجياً، وفي معاداة الديموقراطية والقانون الوضعي، وفي تبجيل العنف بحد ذاته، وفي الهزء بمنطلقات حقوق الانسان. وبالنسبة للفرع الخميني من الممانعة هو اذ يحارب الجهاديين لأنهم تكفيريون، لكنه يلتقي معهم على تحكيم الشريعة، مع مفارقة أن “حزب الله” يضع نفسه اليوم في موقع منع تحكيم الشريعة في سوريا، مفضلاً نظامها “العلماني”، في حين ان التفجيرات الارهابية تستهدف مناطق سيطرة “حزب الله” في لبنان، اي المناطق الوحيدة “المحتكمة الى الشريعة” الى حد ما، على الارض اللبنانية.

بالتوازي، يتنازع خطاب الممانعة مع المعتدلين والليبراليين مقولات عديدة: منها مثلاً، عزو الحركات الجهادية الى صنائع مخابراتية ليس الا. مع فارق ان الممانعين يتهمون المعتدلين بذلك، والمعتدلون يتهمون الممانعين.

ثمة أيضاً اشتراك في النظرة الى موضوع الدولة. فهذه في عرف “الممانعين” كما “المعتدلين” اما ان تكون دولة مركزية أو لا تكون. في الحالتين يجري اعتبار النزاعات الإثنية عرضية بل ومختلقة، وذات طابع سياسي محض، وحلها بقرار سياسي محض. في الحالتين، ثمة نماذج، ولو مختلفة، من الاستهانة بالريف، والتشاوف عليه. هذا بدعوى انّ الريف ينتج متطرفين دينياً، وذاك بدعوى انه ينتج متطرفين دينياً وممانعين!

يتواجه خطاب “الممانعة” الذي يمثله النظام السوري و”حزب الله” والتوابع اليوم، من قبل الجهاديين و”التكفيريين” كما من قبل المعتدلين والليبراليين. لكن قوة “خطاب الممانعة” ان كلاً من “الخطابين” اللذين يواجهانه لم يستقلا عنه بالشكل الكافي. ما زال خطاب الممانعة مرجعياً اذاً.

وهذا يمكن استدلاله من مسألتين: التعددية الاثنية والدينية والمناطقية واللغوية في بلداننا وكيفية اقرارها على ما هي عليه، واعادة صوغ المجتمعات الوطنية على هذا الأساس. ومن جهة أخرى، الصراعات المزمنة التي تعتمل في الاقليم منذ قرون عديدة، وهل ثمة مقاربة لها، ولآفاق حلّها، تختلف عن مقاربة الممانعة؟
حتى الآن ما زال لخطاب الممانعة حصته الرمزية من الأسهم في خطاب “خصميه”، وما زال الخصمان “يتجادلان” أيهما النقيض الفعلي لمنظومة الممانعة واجرامها المتواصل ضد الشعب السوري.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل