عندما اعلن حزب القوات اللبنانية بلسان رئيسه الدكتور سمير جعجع ان مشاركته في الحكومة المطروحة غير واردة الا بتحقيق مسبق لمطالب ثلاثة، هي ان يكون اعلان بعبدا الفقرة السياسية الوحيدة في البيان الوزاري. وعدم تضمينه ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة، واعتماد المداورة في الحقائب الوزارية واعطاء رئيس الحكومة المكلف ورئيس الجمهورية حق الاعتراض على اسماء معينة، لم يرتفع الصوت بان موقف القوات اللبنانية عرقل تشكيل الحكومة، او هو العقدة التي تحول دون تشكيلها، على اعتبار ان هناك حزبا مسيحيا عريقا وشخصيات مسيحية ونوابا مسيحيين في 14 اذار اعلنوا استعدادهم للقبول بمشاركة حزب الله في حكومة جديدة، ووافقوا على ترك المطالب الثلاثة الى ما بعد التشكيل، وفي حال لم يتم التفاهم على هذه المطالب الثوابت، سوف ينسحبون من الحكومة لتتحول الى حكومة تصريف اعمال، ويتعين بدلاء عنهم من وزراء مسيحيين وسطيين، ولذلك فان الجمع بين مطالب «التيار الوطني الحر» الشخصية، ومطالب «القوات اللبنانية» المبدئية هو خطأ فاضح، او اجتهاد ملغوم لتحميل القوات اللبنانية مسؤولية جزء من العقدة التي تمنع تشكيل الحكومة العتيدة، وفي هذا المجال، الحقيقة واضحة كالشمس، فلو ان العماد ميشال عون قبل بالمداورة، التي سبق له ووافق عليها، لكانت الحكومة تشكلت منذ ايام وكانت الجهود الان منصبة في محاولة التفاهم على بيان وزاري يمنع انهيارها قبل بدء اعمالها.
ان موقف حزب القوات اللبنانية المبدئي بعدم المشاركة في حكومة لا يلتزم باعلان بعبدا وغيره من الثوابت الاخرى، كان له وقع الصدمة لدى فريق 8 اذار الذي بنى استراتيجيته ومواقفه منذ سنوات، على عدم قدرة احد في قوى 14 اذار على اخذ موقف الرفض في وجه الضغوطات الداخلية والخارجية، ولم يقرأ جيدا صلابة سمير جعجع حيال سياسة العصا والجزرة. اي سياسة التهديدات، والاغراءات، ولم يلتفت الى غضب جماهير 14 آذار الرافضة لاي شكل من اشكال التنازل المهين، وارتياحها، وتأييدها ودعمها مواقف جعجع، دونما تمييز بين طائفة واخرى او مذهب آخر، واغلب الظن ان موقف التيار الوطني الحر «المتشدّد مسيحيا» حيال المداورة في الحقائب، هدفه امتصاص التأييد المسيحي لمواقف حزب القوات، في اللعب على عواطف المسيحيين وايهامهم بان وجودهم في لبنان والعالم العربي مرتبط ببقاء جبران باسيل وزيراً للطاقة، بدلا من اخذه موقفا تاريخياً بوقوفه الى جانب المطالب الثوابت التي يشدد عليها حزب القوات، وهي التي تعبّد الطريق السالكة الى قيام الدولة القوية القادرة التي لطالما اعتبرها المسيحيون ضمانتهم الاولى والاخيرة، وليس هذه الحقيبة او تلك او هذا الوزير او ذاك.
***
في هذه الاجواء الملبدة امنياً، العاصفة سياسياً، الرمادية حكومياً، يتابع المراقبون بكثير من الاهتمام حركة السفير الاميركي في لبنان دافيد هيل، ويتساءلون عن حقيقة الدور الذي يقوم به، خصوصاً بعد جولته على عدد كبير من القيادات السياسية في لبنان، واجتماعه مع سعد الحريري في الخارج، وسفره امس الى الرياض للقاء المسؤولين السعوديين عن «الملف» اللبناني، وهل ان مصير وطن ودولة وشعب تحوّل مرة اخرى الى «ملف» بيد الاميركيين او السعوديين او الايرانيين، تحكمه وتديره المصالح الخارجية والصراعات الدولية، وهل ان حركة هيل هي لتطويع وتطويق «جبهة الرفض» في قوى 14 آذار، التي تقاوم تحويل وطن الى ملف، ودولة الى خيال دولة، وشعب حرّ الى قطعان غنم، ام ان حركته هي ما يتمناها اللبنانيون ان تكون، لمصلحة الدولة ومؤسساتها، ولامن اللبنانيين وسلامتهم وسلامهم واستقرارهم؟!
الجواب على هذه الاسئلة في ايام بعدد اصابع اليد الواحدة، على ما يتسرب من زوار رئيس الحكومة المكلّف تمام سلام، والكل بالانتظار.