| موقف الحريري أحرج خصومه والتراجع عن الحكومة الجامعة يُعيد البحث بالحكومة الحيادية «التيار العوني» قدّم مصالحه الخاصة ويحاول إبتزاز حلفائه ملوّحاً بالإفتراق عنهم إن لمواقف «التيار الوطني الحر» الأخيرة تأثيرات وتداعيات كثيرة، أقلها الشرخ في العلاقة مع الرئيس نبيه بري |
أدّت مواقف «التيار الوطني الحر» المعلنة على لسان وزير الطاقة والمياه جبران باسيل مؤخراً والرافضة للتنازل عن الحقيبة التي يشغلها في الوزارة المستقيلة في إطار اعتماد مبدأ المداورة في توزيع الحقائب بين كل الأطراف السياسيين المشاركين بالحكومة المرتقبة، الى فرملة عملية تشكيل الحكومة الجديدة وتأخير ولادتها الى وقت غير معلوم، وكشفت بوضوح أن التيار العوني وهو أحد المكوّنات الأساسية في تحالف قوى الثامن من آذار هو الذي يعرقل عملية التشكيل بشكل مكشوف للجميع، وليس «تيار المستقبل» وحلفاءه، كما كان يدّعي بعض أطراف تحالف قوى الثامن من آذار بزعامة «حزب الله» طوال الأشهر التسعة الماضية.
ولا شك أن الفرق واضح بين المواقف التي أعلنها زعيم «تيار المستقبل» الرئيس سعد الحريري الأسبوع الماضي وضمنها موافقته على المشاركة بحكومة جامعة مع «حزب الله»، كان رفضها باستمرار في السابق بسبب مشاركة الحزب بالقتال الى جانب نظام الأسد في سوريا وممارساته الترهيبية بالداخل اللبناني، وذلك تحسساً منه بخطورة المرحلة التي يمر بها لبنان والمنطقة، ومقدّماً مصلحة لبنان العليا ومصالح الشعب اللبناني على ما عداها، مع تمسكه بمبادئه ومواقفه الأساسية الرافضة لاستمرار تفلّت سلاح «حزب الله» من الضوابط الشرعية المطلوبة وتمسكه بمشروع الدولة وسيادتها على كل الأراضي اللبنانية، في حين يلاحظ بوضوح من خلال المواقف التي أعلنها الوزير باسيل أن «التيار الوطني الحر» يتعاطى مع عملية تشكيل الحكومة الجديدة، من زاوية المصلحة الضيقة للتيار استناداً الى التعابير والمصطلحات اللامنطقية والهابطة المستوى الى حدود الانانية والطبقية المنبوذة والمرفوضة من اكثرية اللبنانيين، والتي تتجاوز بمجملها المصلحة الوطنية العليا وتتعارض كلياً مع صيغة العيش المشترك بين كل اللبنانيين، وتضع المسيحيين في اطار بوتقة خاصة مرتبطة بمصالح الوزارة المذكورة ومعزولة عن سائر اللبنانيين كما ورد في مصطلح الوزير باسيل اكثر من مرة.
ما هي تأثيرات مواقف «التيار الوطني الحر» على تشكيل الحكومة الجديدة؟
هناك اكثر من وجهة نظر سياسية بخصوص مسار تشكيل الحكومة المرتقبة، بعضها يعتبر ان رفض «التيار الوطني الحر» مبدأ المداورة في توزيع الحقائب بالحكومة الجديدة وتلويحه بعدم المشاركة في اي حكومة جامعة لا تحقق له هذا المطلب، اعطى رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف تمام سلام مبرراً لاعادة البحث في مبدأ تشكيل حكومة حيادية من جديد، وهي الحكومة التي رفضها من قبل «حزب الله» وحلفاءه ولم يوافق على السير فيها النائب وليد جنبلاط ايضاً، فيما لا تعترض قوى الرابع عشر من آذار على احياء مثل هذا المسعى من جديد، باعتباره يحقق مطلباً لطالما شددت على تحقيقه في الاشهر الماضية.
اما وجهة النظر الاخرى، فتقول بوجوب تشكيل حكومة جامعة بمن حضر، لانها قد تكون أهون الشرين والحل الامثل، لانها تزاوج بين مطالب «حزب الله» والرئيس بري والنائب جنبلاط وتأخذ بعين الاعتبار موافقة «تيار المستقبل» الذي وافق على هذه الصيغة على لسان زعيمه الرئيس سعد الحريري منذ اسبوع. إلا ان السير حتى النهاية في هذه الصيغة لا بد وان تحظى بموافقة مسبقة من كل هذه المكونات، والا فإن الاعلان عنها وعدم مشاركة طرف او اكثر فيها، إما اعتراضاً او وقوفاً الى جانب «التيار الوطني الحر» إذا بقي خارجاً بمفرده كما لوّح بهذا الخيار أكثر من مرّة، فهذا يعني الدخول في مأزق قد تكون له ارتدادات سياسية مؤذية، ولن تفلح الحكومة الجديدة في القيام بالمسؤوليات الملقاة على عاتقها بالشكل المطلوب، وإنما قد تدخل البلاد في متاهات لا يمكن التكهن بنتائجها.
ومع أن اعتماد أي من الخيارين يبقى مضموناً بتحقيق تفاهم ضمني مسبق مع القوى السياسية الأساسية لتفادي استمرار إطالة أزمة التأليف أكثر مما حصل حتى الآن، الا أن استمرار الدوران في حلقة الشروط والشروط المضادة سيؤدي حكماً في النهاية إلى الدخول في حالة الفراغ السياسي، ولذلك فلا بد من حسم الخيارات المطروحة واعتماد الأقل ضرراً منها تفادياً لمخاطر مداهمة الوقت الفاصل عن الاستحقاق الرئاسي من دون تأليف حكومة جديدة تتولى إدارة هذا الاستحقاق او تولي مقاليد السلطة في حال لم يحصل في موعده لأي سبب كان تحاشياً لحدوث فراغ قد يكون مضراً للوطن ككل.
ويعتبر بعض السياسيين أن لمواقف «التيار الوطني الحر» الأخيرة تأثيرات وتداعيات كثيرة، أقلها ما ظهر حتى الآن بزيادة الشرخ في العلاقة مع الرئيس نبيه برّي، وفي حال تمت تغطية أي حكومة أخرى من قبل «حزب الله»، أكانت حيادية أو جامعة، فستحدث ارتدادات سلبية على علاقة الطرفين مع بعضهما البعض، لا سيما وأن بعض تصريحات نواب وقيادي التيار الأخيرة تضمنت انتقادات مبطنة لقيام «حزب الله» بالتفاوض عن «التيار» في عملية تشكيل الحكومة الجديدة.
أما الأهم من وجهة نظر هؤلاء السياسيين، فان الموقف الذي أعلنه الرئيس سعد الحريري من عملية تشكيل الحكومة الجديدة وموافقته على المشاركة فيها، قد احرج تحالف قوى الثامن من آذار بجميع أطرافها، والذي يبدو انه الموقف الذي قد يقدم خيار الحكومة الجامعة بدون مشاركة التيار العوني على أي حكومة أخرى، وإلا ستتحمل هذه القوى مجتمعة مسؤولية الإخلال بتعهداتها وتعطيل تشكيل الحكومة الجديدة، إلا إذا وافقت بالنهاية على تشكيل الحكومة الحيادية خلافاً لما كانت عليه سابقاً.